فهرس الكتاب

الصفحة 2307 من 9994

#التحذير من أذية المؤمنين والناس أجمعين

الآداب والحقوق العامة

عبد الله بن صالح القصير

الرياض

جامع الأمير متعب

ملخص الخطبة

1-القصاص يوم القيامة من الظالمين 2- حرمة المسلم والتحذير من أذيّته 3- أعظم الأذى قتل النفس المحرّمة 4- حرمة لعن المسلم وهجره وسِبابه 5- انتهاك حرمة أموال المسلمين 6- انتهاك حرمة أعراض المسلمين

الخطبة الأولى

أما بعد:

فيا أيها الناس، اتقوا الله ـ تعالى ـ واحذروا أذية المؤمنين، والإساءة إلى الناس أجمعين، إلا بحق ظاهر، قام عليه الدليل البين السالم من المعارض من الكتاب والسنة، والمأثور عن السلف الصالح من هذه الأمة؛ ليكون لكم برهاناً قاطعاً وحجة دافعة حين تختصمون عند ربكم، فتؤدى الحقوق إلى أهلها، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، وتؤخذ المظالم من الظالمين فترد إلى أهلها في يوم لا درهم فيه ولا دينار، بل إن كان للظالم عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، (( وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ) ) [رواه البخاري] [1] .

وفي رواية عند مسلم: (( فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) ) [2] .

وحينئذ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلّ امْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37] . يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِى تُوِيهِ وَمَن فِى الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ [المعارج:11-14] .

عباد الله، إن أذية المؤمنين والناس أجمعين بغير حق من أشد المظالم، وأعظم المآثم التي توعد الله أهلها بالوعيد الأكيد، وتهددهم بالعذاب الشديد، في مثل قوله ـ سبحانه ـ: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً [الأحزاب:58] . وقوله ـ سبحانه ـ في الحديث القدسي الصحيح: (( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ) ) [3] الحديث، أي أعلمته أني محارب له. وما ثبت في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله: (( من صلى الصبح فهو في ذمة الله ـ أي في أمانه وضمانه ـ فلا تسيئوا إليه بغير حق، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يكبه على وجهه في نار جهنم ) ) [4] .

فالذي يؤذي المؤمنين خاصة والناس عامة بغير حق على خطر من غضب الله وانتقامه، وما توعد به الظالمين في الدنيا ويوم القيامة، حتى ولو كان المؤذي من أفاضل الناس وخيارهم؛ فقد ثبت في صحيح مسلم أن أبا سفيان مر - في حال كفره - على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها. فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي فأخبره، فقال: (( يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ) ). فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أخي [5] . وثبت في الصحيحين أن النبي قال لمعاذ وقد بعثه إلى اليمن: (( واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ) ) [6] .

أيها المسلمون، وإيذاء المؤمنين وغيرهم من الناس بغير حق له صور منصوص عليها من القرآن وما أثر عن النبي من بيان، ويعظم الإيذاء ويتضاعف الإثم وتشتد العقوبة، كلما عظمت حرمة الشخص، أو الزمان ، أو المكان، أو المناسبة.

ولقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من غير وجه أن البني قال للناس في يوم النحر في أشرف زمان ومكان وجمع حضره ، وبعد أن قرر الناس على حرمة البلد والشهر واليوم: (( فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم - وفي رواية قال: وأبشاركم - عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب ) )الحديث [7] .

فمن أعظم أذية المؤمنين والناس بغير حق قتلهم بغير حق، قال تعالى: مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة:32] . وقال تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93] .

وقال ـ تعالى ـ: وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً [ النساء:29-30] . وصح عن النبي أنه قال: (( لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً ) ) [رواه البخاري] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت