فهرس الكتاب

الصفحة 5981 من 9994

#فضل الحياء وكيفيته

عبد العظيم بدوي الخلفي

ملخص المادة العلمية

1-فضل الحياء. 2- تعريف الحياء وأقسامه. 3- كيف يكون الحياء من الله تعالى.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( إن لكل دين خلقا، وإن خلق الإسلام الحياء ) ).

هذا حديث عظيم، بيّن فيه النبي أن الغالب على أهل كل دين سجيّة سوى الحياء، والغالب على أهل ديننا الحياء، لأنه متمّم لمكارم الأخلاق، وإنما بعث النبي لإتمامها.

ولما كان الإسلام أشرف الأديان أعطاه الله سبحانه أسنى الأخلاق وأشرفها وهو الحياء.

ولقد كان النبي المثل الأعلى في الحياء: فعن أبي سعيد الخدري قال: (( كان رسول الله أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرف ذلك في وجهه ) ).

ولقد كثرت الأحاديث عن النبي في مدح الحياء والحث عليه وبيان منزلته من الدين.

عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) ).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي مر برجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال: (( دعه، فإن الحياء من الإيمان ) ).

وعنه قال: قال رسول الله: (( الحياء والإيمان قًرِنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر ) ).

وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله: (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) ).

وقد اختلفت عبارات العلماء في الإعراب عن معنى الحياء. فقيل: هو خلق يبعث على فعل الحسن وترك القبيح. وقيل: هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره.

وقال الزمخشري: هو تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم.

وقال الراغب: الحياء انقباض النفس من القبيح.

وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي فلا يكون كالبهيمة. وهو مركب من جبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحي فاسقا، وقلّما يكون الشجاع مستحيا.

فالحياء خلق الكرام، وسمة أهل المروءة والشرف، وعنوان الفضل والعقل، من حرمه حرم الخير كله، ومن تحلى به ظفر بالعزة والكرامة ونال الخير أجمع.

والحياء أمارة صادقة على طبيعة الإنسان، فهو يكشف عن قيمة إيمانه ومقدار أدبه. فعندما ترى الإنسان يشمئز ويتحرج من فعل ما لا ينبغي، أو ترى حمرة الخجل في وجهه صابغة إذا بدر منه ما لا يليق، فاعلم أنه حي الضمير، نقيّ المعدن، زكي العنصر. وإذا رأيت الرجل لا يكترث ولا يبالي بما يبدر منه فهو امرؤ لا خير فيه، وليس له وازع يمنعه من ارتكاب الجرائم، واقتراف الآثام الدنايا.

وقد جعل العلماء الحياء قسمين:

الأول: الحياء من الناس.

ومنه أن يطهّر الإنسان فمه من الفحش، وأن يعزّ لسانه عن العيب، وأن يخجل من ذكر العورات، فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابئ بمواقعها وآثارها.

ومنه أن يقتصد المسلم في تحدّثه بالمجالس، فإن بعض الناس لا يستحيون من امتلاك ناصية الحديث في المحافل الجامعة، فيملئون الأفئدة بالضجر من طول ما يتحدثون.

ومنه أن يخجل الإنسان من أن يؤثر عنه سوء، وأن يحرص على بقاء سمعته نقية من الشوائب، بعيدة عن الإشاعات السيئة.

ومنه أن يعرف لأصحاب الحقوق منازلهم، وأن يؤتي كل ذي فضل فضله، فللغلام مع من يكبرونه، وللتلميذ مع من يعلمونه مسلك يقوم على التأدب والتقديم، فلا يسوغ أن يرفع فوقهم صوته، ولا أن يجعل أمامهم خطوة.

وأما القسم الثاني من الحياء فهو الحياء من الله عز وجل، فنحن من خيره، ونتنفس في جوّه، وندرج على أرضه، ونستظل بسمائه، والإنسان بإزاء النعمة الصغرى من مثله يخجل أن يقدم إلى صاحبه إساءة، فكيف لا يخجل الناس من الإساءة إلى ربهم؟ الذي تغمرهم آلاؤه من المهد إلى اللحد، وإلى ما بعد ذلك من خلود طويل.

إن حق الله على عباده عظيم، ولو قدروه حق قدره لسارعوا إلى الخيرات يفعلونها من تلقاء أنفسهم، ولابتعدوا عن السيئات خجلا من مقابلة الخير المحض بالجحود والخسّة.

ولقد بيّن النبي كيف يكون الحياء من الله؟ فعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ذات يوم لأصحابه: (( استحيوا من الله حق الحياء ) ). قالوا: إنا نستحيى من الله يا رسول الله الحمد لله. قال: (( ليس كذلك، ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء ) ).

وهكذا بيّن أن حقيقة الحياء من الله تكون بمجموع هذه الأمور، وأن من ترك منها شيئا نقص حياؤه على قدر ما ترك منها.

وأول هذه الأمور: حفظ الرأس مجملا عبارة عن التنزه عن الشرك، فلا يضع رأسه لغير الله ساجدا، ولا يرفعه على عباد الله تكبرا، فإن السجود لغير الله شرك، قال: (( لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) ).

والتكبر على عباد الله كبيرة، وكلاهما من موجبات النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت