فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
كلا فما زالت فيهم بقيةٌ من نعمةٍ تنتظر التدمير والإهلاك . )) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (( لقد كان طريق سبأ من اليمن إلى الشام طريقاً مأمون الاتجاهات محدود المسافاتِ وعلى جانبي الطريق قرى متلاصقة, لا يكادُ المسافرُ يخرج من قريةِ إلا يدخلُ الأخرى, فلا يحتاج, في الحالة هذه إلى حمل زادٍ أو طعام, ولكن غلبت الشقوةٌ على الأشقياء , (( فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) ) (سبأ: من الآية 19) , اجعل بين أسفارنا مسافاتٍ بعيدة, ومفاوز شاسعةً حتى نشعر بعناء السفر ومشقته !!
يا للسفه والجنون! ويا للحماقةِ والطيش! أناسٌ هيئ الله لهم قرى متشابكة وطرقاً آمنة, فإذا بهم يتطلبون المسافات البعيدةِ, والقرى النائية .
(( فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَا هُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) ) (سبأ:19) , فكان لا بد من وضعِ حدٍ لكبرياءَ القومِ وغرورهم, وتجبرهم, وطغيانهم , فقد طفح الكيلُ وبلغ السيلُ الزُّبى, فإذا بالجموع المتماسكة, والبيوتِ المتلاقصة, والأسرُ المتقاربةِ تنفرط سبحتها, وتتمزق وحدتها, وتتقوضُ سلطتها, فجعلناهم أحاديثَ ومزقنا هم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور .
بارك الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويضر ويرفع, ألا إلى الله تصير الأمور. أما بعد . أيها المسلمون:
فحين يحدثنا الله من أخبار سبأٍ, ويقصُ علينا من أنبائهم, فحاشا أن يكونَ ذلك بقصد التسليةِ أو شُغل الفراغِ, ولكنه يخاطبنا بخطابٍ مفهومٍ, و كلامٍ معلومٍ , أنه لا فضل لنا على سبأ ولا لسبأ علينا, ولا فرق بيننا وبينهم إلا بالإيمان والتقوى , فالأصل واحد, والأب واحد, والأم واحدة, والله لا يحابي أحداً, فمتى حصلَ الكفرُ والطغيانُ, والبطرُ والأشرُ والعدوان,ُ وظلم الناس فالعقوبةٌ جاهزةً والنقمةٌ حاضرةً, وما ربك بظلامٍ للعبيد .
لقد ختم الله قصة سبأ بقوله: )) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (( .
فما يعي الدروس, ولا يستلهمُ العبَر إلا من اتصف بالصبرِ, والشكر والصبر, والشكرِ ليس كلاماً فارغاً, ولا عبارات جوفاء .
أما الصبر: فهو توطين النفس على طاعة الله, وكفها عن محارمه, وبذل النفس والنفيس لإرضاء الخالق جل جلاله !!
وأما الشكر: فما أكثر ما يظلمهُ الناس, ويسيئون إليه, حين يحسبونه تمتمة باللسان, وحركة في الشفاه, دون استشعار لمعناه العظيم, ومفهومه الكبير !
ألا إن الشكر الذي تكفل الله لمن أداهَ على وجههِ المشروع بدوامِ النعم وازديادها, ألا إنه وجدانٌ وشعورٌ قلبي, وعملٌ وسلوكٌ واقعي, وثناءٌ جميلٌ على المتفضل بالإحسانِ جل في علاه, إن الشكر الذي تدوم به النعم ويصنع سياجاً واقياً أمام الكوارثِ والنقمِ , يكون بالعودةِ الصادقةِ إلى الكتاب والسنة, علماً وعملاً وتحاكماً.
وشُكرُ النعم:يكون بنبذ الأمةِ للمذاهب الهدَّامةِ, والنحلِ الضالة والأفكار المسمومة.
وشكرُ النعم: يكون بتطهير الأموالِ من الحرامِ, وتنقية المكاسبِ من الشبهاتِ.
وشُكرُ النعم:يكون بحفظِ الشبابِ من البؤر المشبوهةِ, والتوجهات المنحرفة, والولايات الباطلة .
وشكر النعم: يكون بصونِ المرأةِ عن الفتن والميوعة, والتهتك والخلاعة.
الشكر: مفهومٌ عظيم, ومعنى كبير, ولكن كما قال الله: (( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) ), (( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُ و فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) )
اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين,
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله (( الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) ) (الرعد:2) ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
(( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ) (النحل:90) ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (( النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ) (لأعراف: من الآية158) ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون ، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا .
أما بعد . فيا أيها المسلمون:
اتقوا لله تعالى ، وخذوا حذركم بالبعد عن أسباب الهلاك والعذاب .
معشر المسلمين ـ إن الله تعالى يرسل آياته بين حين وآخر ، لتخويف عباده المتمادين في كفرهم وطغيانهم ، وإعراضهم وغفلتهم ، ففي كل آية عبرة ، فاعتبروا يا أولي الأبصار .
بالأمس وقبل أيام حصل زلزال تهدمت على أثره البيوتُ على ساكنيها ،فهلك بسببه آلاف من البشر، وجرح وشرد خلق لا يحصيهم إلا الله ، وخيم الحزن والهم على ذوي الموتى والمفقودين والمصابين . وحقًا إنها لمصيبة فإنا لله وإنا إليه راجعون .
أيها المسلمون: إن الزلزال آية من آيات الله ، وبأس من بأسه عز وجل يأتي بغتة قال تعالى: (( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) ) (لأعراف:99,98,97 ) .
وهذا الحدث الجلل أيها المسلمون يدل على بيان قدرة الله تعالى ، وشدة بطشه ، وقوة أخذه ، فعلى المسلمين الذين علموا بهذه المصيبة أن يخشوا أن يصيبهم مثل ما أصابهم ولنحذر من اعتقاد ما يلفظ به بعض الجاهلين من أن هذه الزلزال تعتبر
من الحوادث الطبيعية ، والظواهر الكونية ، وأن حدوثها يرجع إلى عدم ضبط الأساس في البناء ونحو ذلك .
يقال لمثل هؤلاء إذًا فماذا تقولون عن الفيضانات التي تجتاح المدن ؟
وتخرب المنازل والمحاصيل ؟ وماذا تقولون عن الريح العاصف ؟
والإعصار القاصف الذي يقتلع الأشجار ؟ ويقلب السفن في البحار ؟
وماذا تقولون عن الصواعق التي يرسلها الله فيصيب بها من يشاء ؟
إنها آيات أيها المسلمون ؛ آياتٌ يرسلها الله تخويفًا لعباده لعلهم يتقون ،
قال تعالى: (( وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ) ) (الاسراء: من الآية59) .
وقال سبحانه: (( ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ) ) (الزمر: من الآية16) .
وقال عز وجل: (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ) ) (هود:103,102) .