ثالثاً: إن سلاحنا العظيم هو الدعاء والتضرع والإلحاح على الله ..فإنه تعالى يحب الملحين في الدعاء ..نريد الدعاء الذي يتحرك به القلب قبل أن يلهج به اللسان ..دعاء القلب الذي يعتصره الألم ويحرقه الهم للمسلمين ، الدعاء في صلاة الفريضة ، والقنوت مشروع في الفرائض عند نزول النوزال وكذا الدعاء في قيام الليل خاصة حين يبقى ثلث الليل الآخر ، وكذا الدعاء في صلوات السنن والنوافل وتحري أوقات الاستجابة ، وإن للدعاء آثاراً عجيبة يكفي منها الشعور بأن الله معنا ، وأن الله يرى دمعتنا من أجل ديننا وإخواننا كان قتيبة بن مسلم يُجري الأرزاق على محمد بن واسع وكان شيخاً هرماً ضعيفاً فعوتب على ذلك فقال: أصبعه في الدعاء أبلغ في النصر من رماحكم هذه [1] ..فالله الله بالدعاء والتضرع والشكوى .. فالله تعالى يقول: { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكم قست قلوبهم وزين له الشيطان ما كانوا يعملون }
وما يدرك لعل دمعة من عينيك أو زفرة من صدرك ، ودعوة من قلبك تشق عنان السماء يغير الله بها من حال إلى حال ..يقول إخواننا المجاهدون: إنهم يرون أثر دعاء المسلمين لهم في تسديد الضربات وتثبيت الأقدام ويوصون إخوانهم بالإكثار من الدعاء لهم بالنصر والعز والتمكين ..وليعلم المسلمون جميعا أن أشد شيء على أعداء الله هو دعاء المسلمين عليهم ، فقاتلوا أيها المسلمون أعداءكم بدعائكم بالنصر والتمكين لإخوانكم المجاهدين في سبيل الله ..لأنهم يواجهون أمم الكفر والإلحاد من اليهود والنصارى والشيوعيين والمنافقين .
رابعاً: كما أن الله تعالى أوجب الجهاد بالنفس فقد أوجب الجهاد في المال وحث عليه ورغب فيه ، ولهذا ذكر الله تعالى الجهاد بالمال في آخر آية الإعداد فقال: { وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } ..ولما دعا النبي r الصحابة ذات يوم إلى الصدقة ..جاء الصديق رضي الله عنه بماله كله ، وجاء عمر الفاروق رضي الله عنه بنصف ماله ، وتصدقت النساء من حليهن يلقين في حجر بلال حتى امتلأ ..ولقد جهز عثمان رضي الله عنه جيش العسرة حتى أخذ النبي r يردد بعد هذا: ( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ) وهو يقلب الأموال التي دفعها عثمان رضي الله عنه ..أفلا يكون فينا خلف لهؤلاء الأسلاف العظام ؟
خامساً:تعريف المسلمين بقضاياهم من خلال الخطب والمنتديات ومجالس البيوت وتداول أخبارهم وجعل ذلك محور اهتمام الأسر والأصدقاء ..واستغلال وسائل الإعلام المتاحة بشتى صورها وأنواعها لنشر قضاياهم وبيان ما يحتاجونه ويعانونه .
سادساً: يجب علينا حماية ظهور المجاهدين في أوطاننا والذب عنهم ومناصرتهم ضد البغي والعدوان والكف عن وصمهم بالألفاظ التي تلوكها الألسن ويقذفهم بها الكفار أو بعض ضعاف النفوس من المسلمين كما أخبر الله تعالى بقوله: { إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون . وإذا مروا بهم يتغامزون . وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين} ..فهم يصفون المجاهدين بالأصوليين أو الإرهابيين أو المجرمين أو المتمردين ، فيجب بيان المفهوم الشرعي لهذه الألفاظ ، فهم الأصوليون السائرون على أصول الدين وفروعه ، وهم الأرهابيون المرهبون لأعداء الله ، وهم المتمردون على حكم الطاغوت ..هم المجاهدون وهم الأبطال الذين رفعوا راية الحق ، وانضوا تحت لوائه ..أفلا نكون عوناً لهم وحماية لأعراضهم وظهورهم وسندا وركنا شديداً لهم ؟!! يقول النبي r:"ما من امرئ مسلم يخذل مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته ، وما من امرئ مسلم ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وتنتهك فيه حرمته إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته"رواه أبو داود .
وأخيراً ..لابد من الاستمرار في بذل الجهود ومناصرة إخواننا وليحذر كل مسلم من الملل والسآمة فإن الخطب جلل والمصيبة كبيرة ولن تُحل القضية بيوم أو يومين ..
[1] ـ طبقات الشافعية (3/180) .
بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا..
أما بعد إخوة الإسلام فلا تزال صفحات مشرقة من تاريخنا تحتاج إلى جلاء وبيان.. وتحتاج إلى وقفات متأملة غايتها العظة والاعتبار، ولا يزال عدد من ملوك الإسلام وخلفائه وسلاطينه أو قادته ورجاله العظام يكتنف شخصياتهم الغموض عند أبناء الإسلام للجهل بسيرهم وعدم معرفة أحوالهم أو تقدير جدهم وجهادهم في سبيل هذا الدين، والدفاع عن بيضة الإسلام والمسلمين.
وما أروع قراءة الصحيح من تاريخ المسلمين!وما أجمل التأمل في ملاحمهم! فهي من جانب تؤنس الفرد وتسري عنه، وتخفف جزءا من همومه إن قدر له العيش في فترة يستذل فيها المسلمون، ويتصدر القيادة غيرهم من اليهود والنصارى أو سواهم من الكفرة والملحدين، وهي من جانب آخر تشعره بأن تأريخه لا يبدأ من تاريخ ولادته، وينتهي بوفاته، وإنما يمتد تاريخه في غابر السنين وعبر القرون.. لكن هذه القرون حافلة بالنصر والهزيمة والعزة والذلة، والاجتماع والفرقة، والقوة والضعف وهو في تأمله يرصد أسباب النصر والتمكين، ويقف على أسباب الهزيمة والضعف للمسلمين، فلا تعد الأحداث في أي عصر تفاجأه، ولا تعد الأوضاع في أي مصر تخرج عن إطار نظرته وتقويمه، فهناك سنن كونية ثابتة يستدل بها، وهناك قواعد كلية يحتكم إليها. وبكل حال فقراءة التاريخ يزود القارئ برصيد كبير من التجارب، ويضيف إلى معارفه عددا من المعارف إن شاء في دنياه وإن شاء في وأخراه. وهذا هو المهم فالإنسان في هذه الحياة يحتاج إلى من يدفع مسيرته إلى الله ويحتاج إلى نماذج عملية شقت طريقها في الحياة، ورسمت له معالم الطريق علما وعملا، وجهادا وتربية، وإخلاصا ومتابعة، وبذلك تقطع وساوس الشيطان، ويتخلص الفرد من ضعف الهمة والتردد في عمل الخير، ويضمر شعوره بالوحدة في الميدان.
وإذا كنت أسلفت الحديث عن صلاح الدين الأيوبي وجهاده يرحمه الله، فحديث اليوم عن نموذج آخر لا يقل عن صلاح الدين، بل ربما فاقه في بعض الجوانب، على الرغم من جهل بعض المسلمين بسيرته، وعدم وضوح جوانب من شخصيته عند آخرين. إنه الملك العادل ليث الإسلام نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، ترتبط أسرته بدولة السلاجقة العظام، فهو من نسل الأتابكة لهذه الدولة السلجوقية، وتعني كلمة الأتابكة: مربي الأمير، وكان السلاجقة يعهدون بتربية أبنائهم إلى المقربين إليهم من الأتراك، الذين ترعرعوا في كنفهم، وإذا عين السلطان أحد أبنائه على مدينة من المدن أو ولاية من الولايات أرسل معه هذا التركي (المربي) يعاونه في الحكم ويسدي إليه النصح.. وسرعان ما أصبح هؤلاء الأتابك أصحاب النفوذ الفعلي في الولايات التي عهد إليهم بالحكم فيها ( [1] ) .