أمة الإسلام: لقد مرت على الأمة الإسلامية أيام عصيبة ، ذاقت فيها من الذل ألوانا ، ومن المهانة كؤوسا ، تجرعت فيها غصصاً من اللأواء والبأساء ما أثر على قوامها ، ولكن أبطال الجهاد ، وفرسان المعارك غيروا ـ بإذن الله تعالى ـ مسار الأمة ..فهاهم ليوث الإسلام في أفغانستان ..أذاقوا الدب الأحمر خسائر فادحة ، وجرعوه ضربات قاتله ..حتى أستطاع أولئك الأبطال أن يسقطوا الاتحاد السوفيتي ..ويصبح شذر مذر ..ويصبح نسياً منسيا ..ثم هاهو مرة أخرى يعاني من مقاومة أبطال شيشاننا الأبية والذين قاموا بمهمة الجهاد وحملوها على عواتقهم رفعاً لراية الحق وذباً عن دين الله وعن حرمات المسلمين ورداً للظالم المعتدي ، ولا يزال صقور القوقاز يقفون بعزم وإصرار أمام البغاة ، ويمرغون أنفه في الأحوال ، وإن نسينا فلن ننسى مواقف كتيبة العرب الذين قاوموا الصرب الحاقدين واستطاعوا أن يحققوا ما لم يحققه الجيش البوسني ..ومن أجل هذه الكتيبة الصغيرة سارعت دول الغرب لعقد الصلح والمطالبة بإخراج هؤلاء الأبطال من ميادين النزال .. لأنهم أدركوا أنهم لا قبل لهم بمثل هؤلاء ..الذين يحرصون على الموت حرص عدوهم على الحياة ..وكل هؤلاء في كفة ..وأبطال الحجارة في كفة أخرى ..هؤلاء الأبطال يحملون السلاح ..ويجدون ما يقاتلون به عدوهم ..على قلة في المؤنة ..ولكن أبطال الحجارة يقاتلون بهذه الأحجار الصغيرة ..أقوى ترسانة عسكرية في العالم ..يجابهون بالحجارة الصغيرة ..الدبابة الكبيرة ..يقابلون الجنود اليهود المدججين بمختلف الأسلحة بقذائف من الحجارة ..فيا لله ما أعظم تلك النفوس ..ويا لله ما أجل تلك القلوب ..لقد حقق أولئك الأبطال انتصارات هائلة ..وإنجازات باهرة ..هؤلاء الأبطال حققوا فقدان الأمن الإسرائيلي ..فما أصبح اليهود يشعرون بالأمن ..وأنى له أن يأمن والموت يلاحقه في كل مكان ..إن ركب حافلة تفجرت ..وإن دخل مرقصا دمر ..وإن دخل مطعماً فجر ..فأين يذهب ؟ وماذا يفعل ؟ لقد حقق هؤلاء الأبطال ..تهجير أكثر من مليون يهودي من فلسطين ..لقد حققوا خسائر مذهلة للاقتصادي الإسرائيلي ..لقد اضطر اليهود لإلغاء صفقات عسكرية مع بعض الدول ـ الهند ـ التي تصدر لها دبابات لا تقبل التفجير إلا أن شباب الحجارة أدركوا طريقة تفجيرها بإمكاناتهم المتواضعة ..هؤلاء الأبطال ..أبطال الشيشان ..وأبطال الأفغان ..وأبطال الحجارة ..هؤلاء ..حققوا للأمة مكاسب عديدة ..وجعلوا لها اعتباراً بين الأمم ..لقد استطاع هؤلاء الأبطال أن يستنزفوا قوة العدو ..ويكبدوه خسائر فادحة ..خسائر في الأرواح ..وخسائر في الأموال ..وخسائر في المعدات ..فكم من الأموال الفلكية أنفقت لمقاومة هؤلاء الأبطال ؟ مع أنهم فئة قليلة ..عند أدنى مقارنة بين القوتين فلا سواء بينهما إطلاقاً ..ومع ذلك كبدوا العدو خسائر أشبه بالخيال ..ولا خيال ..بل هي الحقيقة ماثلة أمام العيان ..ومن المكاسب التي حققها أبطال المعارك ..أنهم بعثوا في قلوب الأمة الكرامة الإيمانية ، والعزة الإسلامية .. وأعادوا للأمة تاريخها الناصع ..واصبح الناس اليوم يشعرون بأن لهم قيمة ..وأن لهم في أرض الواقع تأثيرا ..وأنهم كيان تهابه أكبر طاغية في هذا العصر ..فلك الحمد يا الله على هذه النعمة ..وجزى الله إخواننا عنا خير الجزاء ..كم أعادوا الفرحة إلى قلوبنا ..كم أرجعوا البسمة إلى شفاهنا ..كم أزالوا الهم والغم الذي خيم على قلوبنا ..كم أبهجوا القلوب اليائسة ..والنفوس المحطة ..لقد أثبتوا لنا تلك الحقيقة الغائبة عن نفوسنا بسبب الهالة الإعلامية التي غيرت بعض المفاهيم والتصورات ..أثبتوا لنا أن القوة الحقيقية ليست قوة البطش والحديد ، و لا ضخامة السلاح وتقنياته ، بل هي قوة الإيمان بالله تعالى والثقة بنصره وصدق التوكل عليه { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقداكم } وأصبحنا نرى عين اليقين أن الفئة المؤمنة تستطيع أن تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله تعالى ..إي وربي لقد بعثوا الحياة في قلوب الأمة ..و أعطوها درساً عملياً أثبتوا من خلاله أن الأمة ..قادرة على الفتك بعدوها على قلة قدراتها ، وضعف إمكانياتها ..ولكن بالإيمان يحطم الطغيان ..وتزلزل عروش أهل الكفر والعصيان ..بإذن الواحد المنان ..لقد علمنا هؤلاء أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ..والتجربة كما يقال خير برهان ..وقد جرب أجدادنا تجربة ، وجربنا تجربة ، جربوا العمل لله والجهاد لإعلاء كلمة الله ، فملكوا ثلث المسكون من الأرض في ثلث قرن ، وأزاحوا كسرى وقيصر يوم كانت فارس والروم مثل أمريكا وروسيا الآن ، وها هي الأمة اليوم تخوض بداية إحياء الفريضة الغائبة من جديد ..فريضة الجهاد في سبيل الله تعالى ..فافتحوا في التاريخ صفحة مجد أنتم عنوانها ، لا تكونوا حاشية مطموسة في ذيل صفحة مجد الجدود ، اجعلوا شعاركم قول الشاعر:
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا
بل نفعل فوق ما فعلوا ..وقد قيل: كم ترك الأول للآخر ..ولم لا ..وقد تيسرت اليوم الأسباب ..وفتحت الأبواب ..وقد بدا لنا النور ...ودنت الأماني ..ولاحت أعلام النصر ..ودقت طبولها ..ووقت النوم قد انقضى ..وأذن مؤذن النهضة ..حي على الفلاح ..فنسأل الله تعالى أن يعيد للأمة مجدها التليد ، وعزها السليب والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم
الخطبة الثانية
أيها المسلمون: مع كل هذه الانتصارات وتلك الفتوح ..إلا أن المآسي لا زالت قائمة ..وإخواننا الذين رفعوا رؤوسنا يمرون بأوقات عصيبة وضوائق خانقة وهم بأمس الحاجة لإخوانهم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ..يستنجدون ويستغيثون ويستصرخون والله تعالى يقول: { وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر } ولعلي أذكر لكم بعضاً مما يمكن أن يقدمه المسلمون لإخوانهم الذين بذلوا لنصرة الدين والذب عن المسلمين كل ما يملكون:
أولاً: وقبل كل شيء ..يجب الشعور الصادق بالانتماء للإسلام ..الانتماء الذي يولد في النفس الحرقة للدين والغيرة على حرماته والاستعداد لبذل الغالي والنفيس من أجل رفعة شأنه ونصرة أتباعه وأنصاره..وأن نتخلى عن الافتخار بالقوميات والجري خلف الشعارات التي أدت بأمتنا إلى الفرقة والتنازعات .
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
ثانياً: إن من أكبر أسباب الهزائم الذنوب والمعاصي والآثام صغارها وكبارها يقول الله تعالى لأهل غزوة أحد: { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ؟ قل هو من عند أنفسكم } ويزداد خوفك إذا علمت أن هذه المصيبة التي حلت على خير القرون إنما حلت عليهم بسبب عصيانهم لأمر واحد ..وواحد فقط من أوامر رسول الله r فكيف يكون الحال إذن لمن يتجاهلون أوامر الرسول r ويعرضون عنها ؟
واعلموا أيها المسلمون أنكم لا تنصرون على الأعداء بكثرة العدد ولا بقوة السلاح ، وإنما تنصرون عليهم بطاعتكم لله ، ومعصيتهم له ، فإذا استويتم معهم في المعصية فاقوكم بعددهم وعتادهم .