فهرس الكتاب

الصفحة 3657 من 9994

#المخرج من الفتن

إعداد/ جمال عبد الرحمن

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وبعد:

تمتاز بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنها عامة ودائمة، والله عز وجل لو شاء لبعث في كل قرية نذيرًا، ولكل عصر مرشدًا، وإذا كانت القرى لا تستغني عن النُّذُر، والأعصار لا تستغني عن المرشدين فلماذا استعيض عن ذلك كله برجل فذ؟ إن هذا الاكتفاء أشبه بالإعجاز الذي يحصل المعنى الكثير في اللفظ اليسير، ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم هو ذلك الرجل الرشيد الذي رسم للبشرية خط السير، وحذر مِن مواطن الخطر، وشرح بغير إطناب ممل ولا إيجاز مخل ما يطوي مراحل الطريق ويهون المتاعب ويذهبُ بإذن الله وعثاء السفر.

فإذا رأيت بعض الناس يتناسى دروس المعلم، ويتشبث بثيابه وهو حي، أو يتعلق برفاته وهو ميت، فاعلم أنه غِرِّير مغرور، ليس أهلا لأن يخاطب بتعاليم الرسالة فضلاً عن أن يستقيم على نهجها ولو خرج النبي صلى الله عليه وسلم حيًا على مثل هذا النوع من البشر لخطَّأ مقاله، وأنكر فِعَالَه، صلوات الله وسلامه عليه.

أخرج الإمام أحمد بن حنبل عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها ستكون فتن وأمور تنكرونها» . قالوا: يا رسول اللَّه، فما تأمرنا ؟ قال: «تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون اللَّه عز وجل الذي لكم» .

[صححه الألباني في صحيح الجامع (0263) ]

وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة؛ القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه» . قال: فقال رجل: يا رسول اللَّه، أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض ؟ قال: «يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ؟» قال: فقال رجل: يا رسول اللَّه، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني ؟ قال: «يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار» . [صحيح مسلم 4/2212] . وفي رواية له أيضًا: «ومن يُشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأً أو مَعَاذًا فليعذ به» .

«يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر» : قيل: المراد كسر السيف حقيقة على ظاهر الحديث ليسد على نفسه باب هذا القتال، وقيل هو مجاز والمراد به ترك القتال، والأول أصح، «يبوء بإثمه وإثمك» معنى يبوء بإثمه يلزمه ويرجع به ويتحمله، أي يبوء الذي أكرهك بإثمه في إكراهك وفي دخوله في الفتنة وبإثمك في قتلك غيره. [أي إن قتلت غيره، أو إثم المشاركة في القتال وأنت مكره] .

«خير» : أي أكثر سلامة وأقل شرًا.

«الساعي» : اسم فاعل من السعي، وهو العَدْوُ والإسراع في السير، وهو تشبيه لمن يشارك في الفتن ويجتهد في إثارتها.

«يشرف لها» من الإشراف؛ وهو الانتصاب للشيء والتعرض له والتطلع إليه، «تستشرفه» : تغلبه وتصرعه وتهلكه.

«ملجأ» : موضعًا يلتجئ إليه ويحمي نفسه فيه من الفتن، «معاذًا» بمعنى الملجأ. [شرح النووي على صحيح مسلم]

أولا: فوائد من الحديث

وتدل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم السابقة على:

1 ـ أن الفتن شرور مستطيرة لا ينبغي للمسلم إثارتها أو الخوض فيها أو التعرض لها.

2 -على الناس إذا ظهرت فتنة أن يلتزم كل منهم عمله وموقعه؛ يجتهد فيه بعيدًا عن المشاركة في الفتنة.

3 -نبذ العنف وأدواته، وترك السلاح وكسر حدِّه.

4 -تأدية الحقوق لأصحابها، والصبر على ما للمرء من حقوق عند غيره، ويسأل اللَّه تعالى الذي له، كل ذلك توجيهات سيد الأخيار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم للنجاة والخروج من الفتن والأزمات، وعلى المسلمين الموحدين أن ينعموا في ظل توجيهاته عليه الصلاة والسلام، وهذا فيما إذا كانت الفتنة في أرض المسلمين فيما بينهم.

ثانيًا: موقف المسلمين من غير المسلمين

فإذا كانت الفتنة بين بعض المسلمين وغير المسلمين فإن الإسلام أمر بالعدل وعدم الظلم والتعدي، كما أمر بألا يدفع المسلمين بغضُهم وكراهيتهم لغيرهم إلى عدم العدل بينهم، بل عليهم أن يعدلوا فإن ذلك أقرب للتقوى، كما أمرهم أن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، وإن مخالف ذلك مهدد من اللَّه تعالى بالعذاب وشدة العقاب.

قال اللَّه تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون [المائدة: 8] ، والشنآن هو البغض قاله ابن عباس. [ابن كثير في شرح الآية]

قال القرطبي (6/108) : «ودلت الآية أيضًا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل معه. وأن المُثْلةَ بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك فليس لنا أن نقتلهم بِمُثلة قصدًا لإيصال الغم والحزن إليهم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت