فهرس الكتاب

الصفحة 5119 من 9994

#رمضان مدرسة لتعلم خصال النبوة

ذة. نادية بلغازي

بعد التحية والسلام، أيها الكرام

يحل علينا جميل الطلة، بهي الحلة، بعد أن دار الزمان، وتصرم العام، واستجاب لنا الإله المجيب الرحمان:"اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وأبلغنا رمضان".

نستقبل اليوم أيها الكرام، أياما للعزيمة والصبر، والعبادة والأجر، صيامها شفاعة وبركة واستجابة، عند غروب كل شمس منه عيد، خلد ذكراه القرآن المجيد، بنصره المكين، وفتحه العظيم، قال عنه المعلم الحبيب صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن خزيمة عن أنس:"أتدرون ماذا يستقبلكم وتستقبلون، أتدرون ماذا يستقبلكم وتستقبلون، أتدرون ماذا يستقبلكم وتستقبلون، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله وحي نزل؟ قال: لا، قال: عدو حضر؟ قال: لا. قال: فماذا؟ قال: إن الله يغفر في أول ليلة من شهر رمضان لكل أهل هذه القبلة وأشار بيده إليها".

إن من حسن الاستقبال وطلاوة الاستهلال، أن نعد الروح والبدن لاستقبال فيوضاته والغرف من عطاءاته، ثم نتساءل بعدُ ماذا تتعلم الأمة من شهر رمضان؟ وكيف يعلمنا رمضان خصال النبوة؟

إذا كان التوحيد إقرارا لله عز وجل بالعبودية، وخروجا عن هوى النفس، وإقامة الصلاة خضوعا لضوابط هذه العبودية، والزكاة تحريرا للنفس من الشح بحملها، ضمن تكاليف العبودية، على البذل في مواطن الخير... فإن الصيام ضبط لشهوات النفس وتصفية للروح التي ما أن تكتمل للمرء القدرة على الشد بزمامها، والسيطرة على أهوائها، حتى ينطلق في ميادين التعبئة والدعوة والبناء.

عند الإمام الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"السمت الحسن والتُؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة"نتوقف عند هذه الخصال في علاقتها برمضان.

أ - السمت الحسن

السمت الطريق القويم والهيئة الطيبة، سمت حسن عام في الأمة وهي تعيش بركات هذا الشهر الكريم؛ وحدة في الوجهة، ووحدة في السلوك، وحدة في البرامج، وحدة في الصيام والقيام والإقبال على كتاب الله، وحدة في السمت العام للأمة...

الاستجابة لأحكام الله تستولي على القلوب المؤمنة وعقولها وإرادتها فتخضعها لسلطان الشريعة وأحكامها، بالصدق كله والإخلاص كله، ابتغاء وجه الكريم والدار الآخرة. همم مؤمنة تتسع للكثير من البر ولجلائل الأعمال سرعان ما قد يبزغ فجر عيد جديد فتنسى عزمات التوبة والحوبة. فنكن ممن يعيش رمضان العام كله.

إن من مظاهر السمت الحسن مفارقة الكثير من الظواهر ومزايلتها، حتى يحيا المؤمن الإيمان ظاهرا وباطنا.

ليس من السمت الحسن في شيء، جورب ثخين وبرقع أسود ولحية طويلة مع تنفير للأمة وتخويف، تحت دعوى محاربة البدع والضلال.

قد ينصب التائب نفسه أو التائبة، بحسن نية غالبا، وبفهم لا يقرأ مقاصد الشريعة وكلياتها، وبتحريض من كتب أنيقة تنفث سما أو أشرطة غريبة توزع بالمجان، ينصب نفسه حكما، ووالداه وإخوته وبقية رحمه إلى مقصلة الجلاد.

ما هذا بالقصد. أمتنا مستباحة الحمى، مستضعفة، كليمة ليست بحاجة إلا إلى جهود موحدة تواجه بها الخطر الداهم، وتشمر بها عن ساعد البناء.

ب- الصيام والتؤدة

التؤدة خصلة مهمة من خصال الإيمان والنبوة، علَّمَنَهَا الحديث الشريف. فكيف نزيد بها ارتباطا في هذا الشهر الكريم؟

التؤدة: الرزانة والتريث مع ما يرتبط بها من التحلي بالحلم والأناة وضبط النفس والتحمل والصبر في ميادين الجهاد، وأول الجهاد جهاد النفس نحملها على الإذعان لأمر الله، وإقامة دينه، والقيام عند حدوده لتقوم داعية منافحة عنه. وما رمضان إلا شهر لتعويد النفس على الصبر والأناة. يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:"الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن امرؤ سابه أو قاتله فليقل إني صائم"عنف يقابله رفق، سباب يقابله حلم وتذكير بهدف سلوكي خلقي مرجو من هذه العبادة: ضبط النفس.

ضبط المؤمن للسانه من أبرز تجليات ضبطه لشهواته، فالكلام شهوة، فإن كان سبابا وشتما، فما ذلك من خصال النبوة في شيء، وما ذلك من صفات المسلم الذي يسلم المؤمنون من لسانه ويده.

إن تحويل الأمة من إسلام فطري موروث إلى تمثل واضح لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه سلام الله، ومن فتنة متأجج أوارها إلى تجديد، ومن ضياع في الفهم إلى فهم تنويري متجدد يغرف من النبع، ليتطلب رفقا بالأمة وتدرجا في تربيتها حتى يقف الناس عند السلوك الإسلامي المكتمل، ويتطلعوا إلى خلق النبوة، فيحبوا الدين ويحبوا إقامته.

سيف مصلت، وقلب قاس لا تلامسه الرحمة، ووجه عبوس، وطبع خشن وخلق جاف، وأحكام معسرة منفرة... ما لهذا تحتاج الأمة لتستمال قلوب أبنائها وتهفو لطلب وجه الله وتطبيق أحكامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت