فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
5-المشاهد أن كثيرًا من الناس يؤدي بعض العبادات بصورة تلقائية أقرب إلى الحركة الميكانيكية، فمثلا في الصلاة: ترى كثيرًا منهم يدخل في صلاة النافلة فيقرأ دعاء الاستفتاح الذي يجري على لسانه، ومن ثم سورة الفاتحة، ثم تجري على لسانه إحدى السور الصغار التي يحفظها على ظهر القلب، وربما إذا سألته بعد صلاته ماذا قرأ، فإنه لا يذكر.
ولا تفكر الأغلبية العظمى من الناس مثلا في قراءة صيغة أخرى لدعاء الاستفتاح، أو في قراءة آيات أو سور من غير تلك السور التي تجري على ألسنتهم دون أن يتفكروا فيها أو يشعروا بها، مع أن السنة وردت بالتنويع في هذه الأذكار، فهناك عدة صيغ لدعاء الاستفتاح، والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ من القرآن كله في تطوعه.
وهكذا في أذكار الصباح والمساء وغيرها من الأذكار والعبادات الدورية التي وردت السنة بهيئات وصيغ متعددة لها.
إن التنويع في صفات العبادة بما يوافق السنة الصحيحة له أثر في طرد ما قد يطرأ على العبادة من صفة العادة والرتابة التي تضعف تأثير العبادة على القلب.
هذا والوسائل كثيرة ومتنوعة، لكن حسب الإنسان أن يضع هذه القضية نصب عينيه هدفًا منشودًا، وأن يحاسب نفسه فيما يتعلق بها، فكلما عمد إلى عبادة من العبادات عليه أن ينأى بعبادته أن تكون ميتة.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يوفقنا للإخلاص في القول والعمل، ويرزقنا اتباع سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، إنه سميع مجيب.
ـــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخاري.
(2) البخاري، كتاب الصوم.
(3) انظر صحيح الجامع، ح1622.
(4) أخرجه البخاري.
(5) أخرجه البزار وأحمد بن حنبل، ج5ص363، وابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: ج1ص429 البيان.
(6) انظر: فيض القدير ج4ص211.
(7) انظر: سير أعلام النبلاء 8 انظر: صحيح الجامع، ح2500.
لا تقبل العبادة إلا إذا توفر فيها شرطان:
1-الإخلاص لله.
2-المتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم -.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:"وجماع الدين أصلان: أن لا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال - تعالى: (( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) ) [الكهف: 110] ."
وذلك تحقيق الشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله؛ ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية: أن محمدًا هو رسوله المبلغ عنه؛ فعلينا أن نصدق خبره، ونطيع أمره"."
فمن أراد عبادة الله فلابد له من توفر الشرطين ولسان حاله يقول: (( إياك أريد بما تريد ) ).
قال الفضيل بن عياض - رحمه الله - في قوله - تعالى: (( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ) [الملك: 2] ، قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وما أصوبه؟
قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
فإذا فُقِد الشرطان أو أحدُهما بطلت العبادة.
وتوضيح ذلك بالمثال الآتي: لو أن شخصًا صلى لغير الله، وعلى صفة غير الصفة التي علمنا إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لردت عبادته، لماذا؟
لأنه فقد الشرطين معًا.
كذلك لو صلى كما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي؛ بحيث أتى بصفة الصلاة كاملة، ولكنها صرفها لغير الله لبطلت عبادته، لماذا؟
لأنه فقد الإخلاص، والله - سبحانه - يقول: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) ) [النساء: 48] وقال: (( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) [الأنعام: 88] .
كذلك لو صلى لله ولكن على صفة غير الصفة التي علمنا إياها الرسول - عليه الصلاة والسلام - ؛ بحيث ابتدع صفة من عنده بطلت عبادته؛ لأنه فقد المتابعة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول في الحديث المتفق عليه: ( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) أي مردود، والجار والمجرور في قوله"عليه"متعلق بمحذوف تقديره (حاكمًا أو مهيمنًا) .
وفي رواية أخرى للحديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) .
وهذان الشرطان ـ في الحقيقة ـ متلازمان؛ فإن من الإخلاص لله أن تتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - واتباعُه - عليه الصلاة والسلام - مستلزم للإخلاص.
الخطبة الأولى:
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
عن أي شيء يبحث الإنسان في هذه الحياة؟ أليس الناس يبحثون عن السعادة العظمى، والثروة الكبرى؟ أليسوا يجدون في إثر الطمأنينة المستقرة والراحة المستمرة؟ أليسوا يرغبون في أن يدخل السرور إلى قلوبهم وأن تشيع البهجة في نفوسهم وأن تعلو البسمة شفاههم وأن تترقب ألسنتهم بجميل القول، وأن تستقبل آذانهم حسن الكلام؟ أليس كثير من الناس يبحثون عن اللذة والسعادة؟
إن طريقها في هذا الدين العظيم وكثيرون هم الضايعون في بحثهم، وآخرون كثيرون أيضًا هم الواهبون فيما توصلوا إليه من نتائج، يلتمسون بها السعادة، ويقصدون بها حصول اللذة، وأولئك في حيرتهم يعمهون، والآخرون في أوهامهم يتخبطون، وأنت أيها المؤمن الصادق.. أيها المسلم المخلص.. أيها العبد الخاضع لله، صاحب اللسان الذاكر لله - عز وجل - والدمعة الخاشعة لله - سبحانه وتعالى - والجبهة الخاضعة لعظمة الله - جل وعلا - أنت وحدك إن فهمت هذا الإيمان، تفاعلت معه، وإن أتيت بموجباته، فأنت السعيد الفريد في هذه الحياة الدنيا، وأنت الناجي الفائز بإذن الله - عز وجل - في الحياة الأخرى.
اللذة التي يبحث عنها الناس:
أي شيء تطلب؟ وعن أي شيء تبحث؟ والأمر قد يسره الله - سبحانه وتعالى - وبسطه بين يديك، وجعله طريق واحدة، تبدأ من أول لحظة تعي فيها، وتدرك التكليف، وإذا به طريق يمتد من هذه الأرض الصغيرة، إلى السموات العلى إلى رضوان الله - سبحانه وتعالى - إن اللذة والسعادة في الإيمان.. في السعي لنيل رضى الرحمن.. في عبادة الملك المنان - سبحانه وتعالى -.
فلننظر إلى هذه اللذة التي ذاقها المؤمنون.. التي عرفها وعلمها للناس المرسلون، والتي اقتطف ثمارها وتمتع بأذواقها عباد الله الصالحون، والتي حرمها كثيرًا من المسلمين في هذه الأوقات، لأنهم لم يأخذوا سبيلها، ولم ينهجوا طريقها، ولم يؤدوا واجباتها.
اللذة الحقيقية:
إن أعظم هذه المنن والنعم أن تكون الحياة كلها لله - سبحانه وتعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} .
ما أعظم أن يكون الضعيف مرتبطًا بالله القوي! ما أعظم أن يكون العبد العاجز مرتبطًا بالله - سبحانه وتعالى - الذي لا منتهى لكماله! ما أعظم أن يخضع الفقير المعدم للغني القاهر - سبحانه وتعالى -! إنه حينئذً يتحول إلى صورةً أخرى، وإلى معنىً آخر في هذه الحياة، إنه يرتبط حينئذٍ بالسماء، يرتبط بنور الوحي، يرتبط بنفخة الله - عز وجل - التي نفخها في خلقة آدم أول ما خلق.. عندما جعل خلقه قبضة من طين، ونفخةً من روح، عندما أراد الله - عز وجل - أن يجعل لهذه الروح غذاءها المرتبط بخالقها - سبحانه وتعالى -.