فهرس الكتاب

الصفحة 7859 من 9994

أمَّا بعدُ فيَا أيُّها المسلمُون: اتقوا الله في أولادكم ومَن تحت أيديكم من اليتامى , وربُّوهم على طاعة الله , ولا تجعلوهم بعد موتكم ممن يفسدون في الأرض ولا يصلحون , واعلموا أن الله سائل كل راع عن رعيته حفظ أم ضيع , قال النبي r: (( كُلُّكُم راعٍ وكلكم مسؤُولٌ عَن رعيَّتِهِ ) ). [متفق عليه] .

أيُّها المسلمون: يوجد مع شديد الأسف يُتْمٌ بين الأولاد على رغم حياة الأبوين , فترى أحياناً بعض الأولاد وكأنهم في عداد اليتامى لا يعرف أحدهم من آداب الإسلام إلا القليل , وقد لا يعرف المسجد ولا الصلاة فيه , وذلك بسبب انشغال الوالدين بالناحية المادية , وعدم تفرُّغهم لتربية أولادهم وتوجيههم والإهتمام بأمرهم , وقد يحتجُّ بعض الآباء بأنه يوفر للولد حياة كريمة , ومستقبلاً مشرقاً وهذا وَهْم وخيال , فلا ينبغي للوالد ولا الوالدة أن يغفُلو عن توجيه الأولاد فإنَّهم عن ذلك محاسبون وسوف يُسألون {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيم} (27-28) سورة الأنفال .

إنَّ إهمال الأولاد والإنشغال عنهم يصيِّرهم بمنزلة الأيتام حتى يصل الأمر ببعضهم إلى أن يكون من نزلاء دور التوجيه والملاحظة , ولقد أحسن من قال:

ليسَ اليتيمُ مَنِ انتَهَى أبَوَاهُ مِن هَمِّ الحيَاةِ وخلَّفَاهُ ذَلِيلا

إنَّ اليتيمَ هوَ الذي تَلْقَى لَهُ أُمَّاً تخلَّتْ أوْ أَبَاً مشْغُولا

إنَّ كثيراً من الآباء قد أسلموا أولادهم لأجهزة الشرِّ والفساد لتربيتهم على احتراف الإجرام , وقسوة القلب , والغفلة عن الله U , فهم لا يعرفون من التربية إلا توفير الطعام واللباس ليس إلا , أما العناية بتعليم الأولاد العلم النافع وآداب الإسلام وتحذيرهم من تضييع أمر الله , أو صحبة المنحرفين فهم عن هذا بمعزل .

فيا عباد الله اتقوا الله في أولادكم واحرصوا أن يكونوا بعد موتكم من الصالحين لتنتفعوا بصلاحهم وأنتم في قبوركم , قال النبي r: (( إذَا ماتَ ابنُ آدمَ انقطعَ عملُهُ إلا مِن ثَلاثٍ , صدقةٌ جاريةٌ , أو علمٌ ينتَفعُ بهِ , أو ولدٌ صالحٌ يدعُو لهُ ) ). [رواه مسلم] .

اللهم انفعنا بما سمعنا , اللهم أصلح أولادنا وأولاد المسلمين , ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ...

الخطبة الأولى

أما بعد: فاتًَّقوا الله ـ أيُّها المسلمون ـ حقَّ تُقاته واصبِروا، واذكروه كثيرًا واثبتوا، وحافِظوا على دِينِكم ولا تُغيّروا، {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } [الرعد:11] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:18-20] .

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون: وفي هذه اللحظات العظيمة المشهودة وأمة الإسلام تعيش هذا العيد السَّعيد المُبارك، في يوم النَّحر الذي هو أعظم الأيَّام عِند الله تعالى ، وفي موسم الحج إلى بيتِ الله الحَرام المُعظَّم، ما أجمل أن تعود الأمة إلى دينها العظيم الذي أكمله الله لها، وأتمَّ به عليها نعمه، ورضيه لها شِرْعَة ودينًا، ما أجمل أن ترجع إلى منهجِها السَّوي القَويم الذي هو مصدر قوَّتها ومنبع عِزَّتها، ما أبهى أن تحس بفقرها إلى ربها وخالقها ورازقها، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } [فاطر:15-17] . أَوَلم يكن العرب ضُلاّلاً فهداهم الله بهذا الإسلام؟! أولم يكونوا عالَة فأغناهُم الله من فضلِه بهذا الدِّين؟! أَوَليس من دين الإسلام تُستمد الأحكام وتسن القوانين؟! أَوَليست به تستقيم الأحوال وتصلح الأوضاع؟! بلى والله، إنه لكذلك وفوق ذلك. إنَّ شؤون الأمَّة فرديَّة كانت أو اجتماعية وأوضاعها مادية أو معنوية وعلاقاتها محلية أو دولية وأحوالها سلمية أو حربية كلها مضبوطة بشرع الله محكومة بدينه، موزونة بكتابه مربوطة بوحيه، ليس لهذه الأمة رصيد أغلى من هذا الدين، وليس لها قيام دون هذا الإسلام، وجودها مرتبط بوجوده، وفناؤها راجع إلى التقصير فيه، تعيش عزيزة ما تمسكت به وعضّت عليه بالنواجِذ، وترجع ذليلة ما تهاونت به ورضيت غيره. حَرِيّ بالأمة وهي تعيش خضم هذه الأحداث المتلاحقة أن تتحسّس موقعها وتعرف موقفها؛ لئلا تضل السبيل فتهلك، وجدير بها وهي تواقع هذه المتغيرات المتسارعة أن تتلمّس دربها وتحدد طريقها؛ لئلا تبقى في مؤخرة الركب وأعقاب الأمم.

إنَّ أمَّة الإسلام هي خير أمة أخرجت للناس، جعلها الله أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس، وهذه الوسطية وتلك الخيرية تتأكدان في دينها العظيم القويم الذي حارب الشرك وما يفضي إليه، وفضح الإنحرافات اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، ذلك الدِّين الخاتم الكامل الذي لا يقبل التجزئة ولا يرضى التَّفريق، كمال في التَّوحيد والعقيدة والنبوات، وشُمُول في القضاء والقدر والبعث والنشور، إيمان بكل ما جاء به القرآن الكريم، وتصديق بكل ما صح به النقل عن النبي المعصوم. الخيرية والوسطية في هذا الدين تظهران في تمام العبادة وشمولها، حيث رسمت حدودها وحدت صفاتها، ونبه على أركانها وشروطها، ومنع من الإحداث والابتداع فيها: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّه} [الشورى:21] ، وفي الحديث: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ).

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت