فهرس الكتاب

الصفحة 7860 من 9994

أيها المسلمون: لقد حفظ هذا الدين لهذه الأمة خيريتها ووسطيتها، حفظ الأنفس والأموال، وصان الدماء والأعراض، حدَّ الحُدود وشرَع التَّعازير، وأخذ على يدِ الظَّالم وحَارب الجريمة، نشر الفضيلة وفضَح الرَّذيلة، وعظم أمر العفاف والحياء، أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، أوجب الصدق والأمانة، وحثَّ على الصَّبر والوفاء، وأمر بالتَّعاون على البر والتَّقوى، كل ذلك في نظر شامل لكل مناحي الحياة ومعاملاتها وعاداتها، في أصول عامة محكمة ونظم شاملة مفصلة، وحَوَت آداب الإسلام فيما حَوَت من أجل هذه الخيريَّة وتلك الوسطيَّة، حَوَت آداب الأكل والشُّرب والنَّوم واليقظَة، وحددت ضوابط اللِّباس والزِّينة والدُّخول والخروج، وجاءت بآداب المشي والجُلُوس والتَّحيَّة واللِّقاء، وضعت أصولاً للزِّيارة والإستئذَان، وسنّت أدبًا للحديث وحقًّا للطَّريق. غايتها في ذلك تهذيب البشريَّة ومناهضة النَّزعات الشَّيطانيَّة وتوضيح الفرقان بين الحق والباطل. أما المسلمون أتباع الإسلام فهم أولياء الله وأحباؤه، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله. هم خير أمة أخرجت للناس، يحمدون الله في السراء والضراء، ويذكرونه قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، أناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل فرسان في النهار، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، هم الآخرون في الدنيا السابقون يوم القيامة، غايتهم ومقصدهم إخراج الناس من الظلمات إلى النور، إخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. وهم لذلك مسؤولون عن حماية الحق ونشر الفضائل الكريمة، مطالبون بإقامة المثل العليا وترسيخ المبادئ السامية. وهذا الحق الذي معهم يدعون إليه ويدافعون عنه، وذلك الخير الذي جعله الله لهم ووصفهم به محفوظ لهم ما استقاموا على الطريقة واستكملوا الشروط المهمة، باق لهم ما بقوا على العهد ولم ينقضوا الميثاق. والله سبحانه ناظر كيف يعملون، مطلع على ما يُبْرِمُون، وكل من ظلم وخالف فلن يفلت من سنة الله في الظالمين، {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الرعد:11] .

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون: إنَّ في دين هذه الأمة تلازمًا وثيقًا بين العقائِد والعِبادات، وترابطًا عميقًا بين سلوك الإنسان وأخلاقه في البيت والسوق والعمل، وفي المسجد والمعهد والمدرسة، {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [الأنعام:162، 163] . إنه تلازم يوجب على المسلمين أن يأخذوا بالدين كله، فالدين كلٌّ لا يتجزأ، ووحدة لا تقبل التفرقة، { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [البقرة:85] .

ووالله، لو صدق المسلمون في الإنتماء لدينهم واعتزوا به لالتزموا آدابه وأحكامه الكاملة الشاملة، ولَمَا حادوا عن طريقه الواضح وصراطه المستقيم، ولو فعلوا ذلك لتميزوا بالحق والخير، ولتميزوا بهيئاتهم ولباسهم كما يتميزون بعقائدهم وشعائرهم، ولتميَّزوا بالتنزه عن المُوبقات والفواحش كما يتميزون بالآداب الفاضِلة والأعمال الخَيِّرَة. لكنّ فئامًا منهم اليوم ظنُّوا أنَّ الإسلام مقصور على عِلاقة العبد بربِّه وخالِقه، ولا صلة له بالمجتمع ولا بالحياة، فأخذوا ببعض الكتاب، وأعرضوا عن بعض، وجعلوا القرآن عِضِين، وصاروا فيه مختلفين، ما وافق أهواءهم أخذوا به واتبعوه، وما خالفها تركوه وراءهم ظِهْرِيًّا ونبذوه، اختاروا في كثير من مواطنهم وأوضاعهم غير ما اختار الله، ودانوا بمناهج على غير طريق رسول الله، اختلطت عليهم السبل والمناهج، وتعددت مواردهم والمشارب، اصطبغوا بغير صبغة الله، وتغيرت أحوالهم وفرطوا في دينهم، أضاعوا الصلاة واتَّبعوا الشَّهوات، وأكلوا الرِّبا وفشا فيهم الفُحش والزِّنا، اتَّبعوا خطوات الشيطان وساروا في طريقه، وتفرَّقوا شِيَعًا وأحزابًا، تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يكونوا أشداء على الكفار ولا رُحماء بينهم، ولم يعِدّوا ما استطاعوا من قوة ليرهبوا بها عدو الله وعدوهم وآخرين من دونهم. من أمثال هؤلاء أتيت الأمة ودُخل عليها، وبتقصيرهم وتهاونهم هزمت وأذلت في كثير من أقطارها، وبتوليهم أمورها تسلط عليها أعداؤها من كل جانب { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الرعد:11] .

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون: إنَّ الخُروج على أحكام الإسلام وأصوله اعتقادًا أنَّ غيره أقرب إلى الحق وأدنى إلى العدل أو أحفظ للمصلحة وحق الإنسان، إنَّ ذلك يعد رِدّة وخروجًا عن هذا الدين القويم. ومن هنا ـ أيها الإخوة ـ فإنَّ على المسلمين اليوم وبين أيديهم كتاب ربهم وسنة نبيهم محمد عليهم أن يتقوا ربهم ويراجعوا أحوالهم، وينظروا في سنن الله وأحوال من قبلهم، ويعتبروا بمن حولهم ممن دمر الله عليهم، {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس:14] . أين العروة الوثقى؟! وكيف المعتصم؟! أين الخيرية؟! وأين الوسطية؟! أين الشهادة على الناس؟! كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه [آل عمران:110] ، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [البقرة:143] .

فاتقوا الله ربكم أيها المسلمون، واستمسكوا بدينكم، وأقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، أقيموه في أنفسكم وأهليكم وسائر جوانب حياتكم , وعودوا إلى ربكم وتوبوا إليه لعلكم تفلحون، واعلموا أن المستقبل بإذن الله لهذا الدين، والنصر بأمر الله لهذا الإسلام، فمهما احْلَوْلَكَت الظلمة وغابت شمس الحقيقة إلا أنها ستشرق على الدنيا في يوم ما، وسيصفو الجو الذي طالما تكدّر، وسيتبدّد الظلام الذي طغى وانتشر، ستبدو رايات الإسلام عالية خَفّاقة، وستختفي زعامات الباطل مغلوبة مدحورة، وسيظهر الحق ويزهق الباطل، {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء:81] .

فلا تَحسبوا أنَّ الهمومَ مُقِيمةٌ رُوَيدًا فإنّ اللهَ بالخلق أَبْصَرُ

ستؤخذ ثاراتٌ وتُقضَى حوائجٌ وتبدو إشاراتٌ وتُقْصَمُ أَظهرُ

وتُطْمَس من شأن الأعادي بَوَارِزٌ ويظهر سرّ الله والله أكبرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت