إذا تأملت ما مضى وأمعنت النظر فيه جيداً، تبيَّن لك جلياً تلك النتائج التي وصلت إليها كثير من النساء.. فإن كنت وليّ أمر إحداهن فاحذر أن تخطئ التقدير، وعليك بالتوجيه.. فبعض الرجال يظن أنه إن لم يتدخل في حياة ابنته ـ ولو بشكل لائق ـ أن ذلك من باب العطف والإحسان، وأن لا يفرض عليها ما لا تريد..
وهذا خطأ.. فإن الفتاة إذا بقيت من غير زواج، فإن ذلك لا يعني أنها تتحمَّل المسؤولية لوحدها.. بل إن وليّ الأمر يحمل نصيباً من ذلك..
وهذا ليس من وجهة نظر عامة الناس الذين لا شأن لهم بالموضوع، بل إنه من وجهة نظر الفتاة نفسها، وقد مضى ما يدل على هذا المقصود.
وكلمة أتوجَّه بها إلى أختي فأقول:
قد علمت يقيناً ما وقع لأخوات لك بسبب سوء التقدير، وعدم وضع الأمور في نصابها الصحيح، فجلسن يتأوهن من الجراح، ويندبن أحوالهن، ونحن لم نسق ذلك إلا لتعرفي خطورة الأمر فتجتنبي الأسباب المؤدية إليه.
فإن كنت في مأمن ـ الآن ـ فاحمدي الله، واحذري أن تقعي فيما وقعن فيه، فإن الأيام تركض، والعمر قصير..
وهذه الدار لاتبقى على أحد ولا يدوم على حال لها شان
فإذا تقدم لك الكفء.. فإياك أن تُقدمي الدراسة أو الوظيفة على الزواج، فوالله إن كل ذلك لا يساوي شيئاً بالنسبة للاستقرار والعِفَّة والأمومة..
فإن كنت لا بد فاعلة.. فتزوجي أولاً حتى لا تفوتي على نفسك الفرصة..
ثم بعد ذلك إن رأيت من الزوج موافقة على دراستك أو وظيفتك؛ إذا كانت محاطة بالحدود الشرعية من غير اختلاط ولا فساد؛ فهذا أمر راجع له، ويُقضى بينكما، وإن لم يوافق فلن تخسري شيئا.
فمصلحة كونك زوجة لا تُقارن بمفسدة جلوسك من غير زواج ربما إلى سن خطيرة وحرجة لا تستطيعين حينها أن تختاري من تشائين، وبالمواصفات التي تريدين..
وإن كانت قارئة هذه الرسالة من أخواتنا اللاتي ابتلين بالجلوس من غير زواج إلى سن متقدمة..
فأوصيهن أولاً: بالصبر فإنه مفتاح كل خير؛ قال تعالى: {وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا لله راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} . [البقرة: 155-157] .
وأوصيهن ثانياً: بالتنازل عن بعض الشروط اللاتي وضعنها ولا يردن التزحزح عنها، فإن ذلك صعب، ولكل حال مقال.
ولعله يتساءل متسائل فيقول: ولماذا اخترت هذا السبب فقط، وهناك الكثير من الأسباب لم تتعرض لها..؟
فأقول: إنني اخترت هذا السبب بالذات لأنه هو المنتشر في أوساطنا في الوقت الحالي، وهو من أعظم الأسباب تأثيراً من وجهة نظري الخاصة والتي قد يشاركني فيها الكثير.. وإذا أردت التأكد فيكفيك نظرة واحدة إلى الجامعات والكليات والمعاهد.. لتجد أن نسبة كبيرة منهن لم يزلن من غير زواج..
فالموضوع خطير لا يساويه أي سبب..
ومع ذلك.. فإنني قد تناولت أسباب العنوسة برسالة مستقلة مطبوعة، بعنوان:
"وقفة قبل ضياع العمر"؛ ذكرت فيها الأسباب الرئيسة لهذه المشكلة المستعصية.. فليراجعها من شاء غير مأمور؛ فهي مهمة في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
أخيراً..
لتعلم أخَيَّتي الكريمة ـ على وجه الخصوص ـ أنني لم أكتب ذلك تجريحاً وتوبيخاً، ولكن يعلم الله أنني ما كتبته إلا من دافع حرصي عليها.. أن تفقد ركناً من أعظم الأركان التي تقوم عليها الحياة الهانئة.
فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله من زللي..
والحمد لله رب العالمين.
7 شعبان 1416هـ
شبابنا.. إلى أين؟! الشيخ سالم العجمي
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، أما بعد..
شبابنا إلى أين؟..
شباب كانوا أملاً، وثروة لهذه الأمة، ومستقبلاً مشرقاً، وربيعاً زاهراً، وقلباً نابضاً، وسياجاً واقياً لأمتهم من الرياح العاتية والسيول الجارفة، فانحرفوا عن الجادة فسقطوا في أوحال المخدرات، فأهدرت تلك الثروة الثمينة، وأصبح ذلك المستقبل حاضراً بئيساً، وذبلت تلك الأزهار المتفتحة، وتساقطت وتوقف القلب عن الخفقان، وانهار السياج فاندفعت الرياح والسيول وجرفت معها الأفكار الهدامة التي أودت بهم إلى الهاوية.
قال أحدهم:
".. سقطت في هوة المخدرات منذ أعوام أنا ورفاق لي بحجة التسلية وهرباً من الواقع الذي نعيشه، قتلت فينا المخدرات كل شيء.. الدين.. الحياء.. الطموح.. وأصبحنا على هامش الحياة بعد أن كانت تعقد علينا الآمال وكان يتوقع أن يكون لنا مستقبل مشرق.. فأصبحنا بعد ذلك في قمة الضياع، فمنّا من فقد وظيفته، ومنا من ترك دراسته بل ووصل الحال في بعضنا أنه كان يتسوّل من أجل أن يشتري تلك المخدرات..".
فكم من الشباب وقع في شرب المسكرات حتى صارت بالنسبة له روحاً لا تفارق جسده فخسر بعد وقوعه فيها كل شيء.. الرجولة.. الحمية.. والسّمت الحسن، وخسر مكانته بين الناس وأصبح قلبه أسود مرباداً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، حتى صار في أثناء شربه لذلك المسكر لا يفرّق بين أمه وأخته وبغيّ من البغاي... وهكذا لعبت بهم المخدرات حتى وصلوا إلى تلك النتيجة المحزنة فكم خسرت الأمة بخسارة هؤلاء الشباب...
شاب سافر إلى بلاد الفجور وعاشر البغايا والمومسات وعاد إلى موطنه حاملا معه الفيروس الخبيث ـ الإيدز ـ ثم عاشر زوجته العفيفة فانتقلت إليها العدوى وأصيبت بذلك الداء الخطير وبقيت تنتظر ساعة الرحيل بسبب ذنب لم ترتكبه وبسبب فساد ذلك الزوج الذي زهد في الحلال وراح يبحث عن الشهوة المحرمة.
وشباب عادوا إلى الله بعد أن سئموا من حياة الملل والنكد والشقاء وبعد أن خاضوا بحور المعاصي فنظروا في أنفسهم فوجدوا أن تلك الشهوة ولّت وبقيت عاقبتها السيئة رفيقاً لهم في سفرهم الطويل فما زادتهم إلا هماً وشقاءً وقد كانوا يأملون أن هذه المعصية ستحقق لهم السعادة فما زادتهم إلا بعداً عن الله فوقفوا مع أنفسهم وقفة صدق وقرّروا الخلاص من الحياة البئيسة التي لم يجنوا منها إلا الشقاء الدائم والعناء المستمر فأقبلوا على ربهم منيبين إليه مقرّين بذنوبهم يستغفرون الله على كل لحظة قضوها في البعد عنه، وعلى كل لحظة فارقوا فيها هذه الحياة الطيبة ولم يذوقوا فيها لذة العبادة والإنابة إليه سبحانه، فتراهم يطيلون السجود، ألسنتهم ذاكرة وأعينهم دامعة وقلوبهم خاشعة تفيض محبة ورقة وتزداد شوقاً إلى لقاء الله.
وتراهم يسارعون في الخيرات ويتحرّون الأعمال الصالحة التي تقربهم من ربهم الرحيم الذي طالما أبعدتهم المعاصي عن الطريق الذي يوصل إلى رضوانه.
وشباب تاهوا في دوامة الحياة تراهم حيارى يريدون أن يتخلصوا من الكآبة التي أحاطت بهم ويسلكوا طريق السعادة، ولكن كبلتهم الذنوب والخطايا وأصبحت الشهوات عائقاً في طريقهم عن الوصول إلى الهداية، فتراهم يقدّمون رجلاً ويؤخرون أخرى وكلما ساروا قليلاً رجعوا إلى الوراء.
يملأ حياتهم الأرق والهم والمخاوف وتتعالى في نفوسهم صرخات الألم من الواقع الذي يعيشون فيه ويتحرك في قلوبهم داعي الخير إلى الحياة السعيدة والمستقبل المنير، ولكنهم ضلوا الطريق وعاشوا صراعاً مريراً مع أنفسهم فكيف الخلاص من ذلك الواقع المظلم الذي ملأ قلوبهم ألماً وحسرات؟ وكيف النجاة من تلك الحياة المريرة وأين الطريق الموصل إلى الهداية؟!!
شبابنا هم الأمل المشرق..
عندما تجلس مع بعض الشباب وتبحر في أعماقهم تجد فيهم من الخير والصفات الطيبة ما يجعلك تتحسّر وتشعر بالحرقة على وجودهم في مكان لا يليق بهم..