فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إعداد: متولى البراجيلي
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
هذه القاعدة أصل عظيم من أصول الشريعة الإسلامية القائمة على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.
فمعنى القاعدة: أنه إذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالبًا، لأن اعتناء الشرع بترك المنهيات أشد من اعتنائه بفعل المأمورات، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".
أولاً: شواهد القاعدة من القرآن:
شواهد القاعدة من القرآن كثيرة وتفوق الحصر، منها:
-قوله تعالى في الخمر: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما {البقرة: 219} .
أما إثمها فهو في الدِّين، وأما المنافع فدنيوية من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:
ونشربها فتتركنا ملوكًا
وأُسْدًا لا ينهنهها (1) اللقاء
وكذا بيعها والانتفاع بثمها. (تفسير ابن كثير) .
لكن هذه المنافع ليست شيئًا أمام مفاسدها من ذهاب عقل وغفلة وأكل لأموال الناس بالباطل، إلى غير ذلك، فهذا يقدم على المصلحة المظنونة التي ترونها، وهذا كان في أول أمر تدرج تحريم الخمر.
وقوله تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون {البقرة: 216} .
فقد يحب المرء شيئًا لمصلحة، ولكن قد تكون وراءها مفسدة أشدّ منها وهو لا يعلم.
-وقوله تعالى: وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، فقد أمر الله تعالى في أكثر من آية بطاعة الوالدين، لكن مفسدة الشرك بالله أكبر من مصلحة طاعة الوالدين.
وقوله تعالى: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، فمفسدة الأذى من الكافرين قدمت على مصلحة إتمام الصلاة.
ثانيًا: شواهد القاعدة من السنة:
أخرج البخاري بسنده عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: يا عائشة، لولا أن قومك حديثُ عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم. {صحيح البخاري: 1586} .
قال الحافظ ابن حجر: لأن قريشًا كانت تعظم الكعبة جدًا، فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة. {فتح الباري} .
فترك النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام دفعًا لمفسدة راجحة.
والحديث أخرجه غير البخاري بروايات أخرى، فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يهدم الكعبة ويعيد بناءها على قواعد إبراهيم عليه السلام، لأن قريشًا لما أعادت بناء الكعبة اشترطوا أن لا يضعوا فيها إلا نفقة طيبة، لا يدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، فقصرت بهم النفقة، فتركوا بعض البيت في الحجر، وجعلوا لها بابًا واحدًا مرتفعًا حتى يدخلوا من يشاؤون ويمنعوا من يشاؤون.
وهذا الحديث هو الذي دفع ابن الزبير رضي الله عنهما لما احترقت الكعبة وأراد إعادة بنائها أدخل فيها الحجر، وجعل لها بابين كما كان يريد النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن الحجَّاج بعد ذلك هدمها مرة ثانية وأعادها إلى سابق عهدها.
يقول الحافظ ابن حجر: وفي الحديث فوائد منها: ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس، والمراد بالاختيار المستحب.
وفيه: اجتناب ولي الأمر ما يتسرع الناس إلى إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب.
وفيه: تقديم الأهم فالمهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة، وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة.
وفيه: حديث الرجل مع أهله في الأمور العامة (يقصد حديث النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة) ، وفيه: حرص الصحابة على امتثال أوامر النبي صلى الله عليه وسلم . {فتح الباري}
وقال الإمام النووي: وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام، منها:
إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة، وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم عليه السلام مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه وهي خوف فتنة من أسلم قريبًا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيمًا.
{صحيح مسلم بشرح النووي}
فائدة: في الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لولا أن قومك حديثُ عهد بجاهلية"بإفراد حديث وهي صفة قوم، والقوم جمع.