فهرس الكتاب

الصفحة 8879 من 9994

وما برح هؤلاء الفساق يتفننون في إضلال الناس، فمرة يتكلمون بلسان الناصح الأمين الذي يعتصر ألماً وحرقة على أمته، يضحكون بذلك على السذج من المسلمين.. ومرّة بتثبيط أهل الخير والإصلاح، يصدق عليهم في ذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم:"سيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس" [20] ، ويصور حالهم قول القائل:

وصاحبٌ راح يسدي لي نصائحه ولم يكن ناصحاً يوماً حماقاتي

يقول دعك فما غيرت مفتسداً فعش حياتك في يسرٍ وملهاةِ

وخذ كغيرك أفياءً منعمة ودع لغيرك تقويم الخطيئات

جهالة وحماقات يراد بها لجم الضمير وإطفاء المروءات

واعلم أخي القارئ الكريم أن هذه الدنيا إنما هي بلاغ إلى الدار الآخرة، فالسعيد الذي يخرج منها وقد أخذ معه الأعمال الصالحة ما يكون سبباً في نجاته من عذاب الله ـ جل وعلا ـ، والشقي من أتبع نفسه هواها، ففرَّط في العمل، وأسرف على نفسه بالمعاصي حتى لقي الله وهو عليه غضبان.. فشتان بين هذا وذاك.

قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ:

"ولَمَّا علم الموفَّقون ما خُلقوا له، وما أريد بإيجادهم، رفعوا رؤوسهم، فإذا علم الجنة قد رُفِعَ لهم، فشمروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، في أبد لا يزول ولا ينفد، بصبابة عيش إنما هو كأضغاث أحلام، أو كطيف زار في المنام، مشوب بالنقص، ممزوج بالغصص، وإن أضحك قليلاً أبكى كثيراً، وإن سرّ يوماً أحزن شهوراً، آلامه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف أضعاف مسرّاته، أوله مخاوف وآخره متالف، فيا عجباً من سفيه في صورة حليم، ومعتوه في مسلاخ عاقل، آثر الحظ الفاني الخسيس على الحظ الباقي النفيس، وباع جنة عرضها السموات والأرض بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار باعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار، وأبكاراً عرباً أترابا كأنهن الياقوت والمرجان، بقذرات دنسات سيئات الأخلاق، مسافحات أو متخذات أخدان، وحوراً مقصورات في الخيام، بخبيثات مسيبات بين الأنام، وأنهاراً من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل مفسد للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم، وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان، والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد يوم المزيد، بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد، ونداء المنادي: يا أهل الجنة إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا، وتحيوا فلا تموتوا، وتقيموا فلا تظعنوا، وتشبوا فلا تهرموا، بغناء المغنين.."

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم

أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلُمْنِ اللوم

وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة، وإنما يتبين سفه بائعه يوم الحسرة والندامة، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفداً، وسيق المجرمون إلى جهنم ورداً، ونادى المنادي على رؤوس الأشهاد: ليعلمَنّ أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد.

فلو توهَّم المتخلف عن هذه الرفقة ما أعد الله لهم من الإكرام، وادَّخر لهم من الفضل والإنعام، وما أخفى لهم من قرة أعين، لم يقع على مثلها بصر، ولا سمعته أذن، ولا خطر على قلب بشر، لعلم أي بضاعة أضاع، وأنه لا خير له في حياته وهو معدود من سقط المتاع، وعلم أن القوم قد توسطوا ملكاً كبيراً لا تعتريه الآفات، ولا يلحقه الزوال، وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الكبير المتعال، فهم في روضات الجنة يتقلبون، وعلى أسرتها تحت الحجال يجلسون، وعلى الفرش التي بطائنها من إستبرق يتكئون، وبالحور العين يتنعمون، بأنواع الثمار يتفكهون.. تالله لقد نودي عليها في سوق الكساد، فواعجباً لها كيف نام طالبها، وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها، وكيف طاب العيش في هذه الدار، بعد سماع أخبارها، وكيف قرّ للمشتاق القرار دونها أعين المشتاقين، وكيف صبرت عنها أعين الموقنين، وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين، وبأي شيء تعوضت عنها نفوس المعرضين" [21] ."

فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيَّمُ

ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم

فيا بائعاً هذا ببخس معجل كأنك لا تدري، بلى سوف تعلمُ

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ

هذا ما أردنا بيانه من الحق..

نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا الإخلاص والقبول.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

22/ذي الحجة/1416 هـ

الهوامش:

[1] مسلم (145) .

[2] رواه مسلم (2742) .

[3] مسلم (118) .

[4] البخاري (7.68) .

[5] "العقد الفريد"لابن عبد ربه (2/186) .

[6] الرويبضة: هو الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة.

[7] رواه أحمد، انظر"السلسلة الصحيحة" (1619) .

[8] العقد الفريد (6/3) .

[9] "تاريخ الأدب الجاهلي"د. شوقي ضيف (ص 74، 75) .

[10] هذا حدث مع هند قبل إسلامها حيث كانت مشركة، وإلا فإنه لا يجوز الذهاب إلى الكهنة والعرافين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) رواه أصحاب السنن، وهو صحيح"إرواء الغليل"للألباني (2006) .

وليس عجباً أن يخبر الكاهن عن أمر قد مضى، لأنه يخاطب القرين الذي مع المريض أو المشتكي، فيخبره أن اسمه فلان.. وأمه فلانة.. وأنه حدث له يوم كذا.. كذا وكذا، وما شابه، وليس هذا دليلاً على صلاحه، بل هذا بمعاونة الشياطين له، فإذا عرف المسلم صفات الكهان تلك ازداد يقيناً بما هم عليه من الباطل، وجر الناس إلى الشرك بالله، وحاربهم وحذر منهم حتى لا يقع الناس في الشرك، فيكون مصيرهم جهنم خالدين فيها أبداً ـ نسأل الله العافية ـ قال تعالى: {إنَّ اَلَّلهَ لاَ يَغفِرُ أَن يُشرَك بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يشاء} .

[11] العقد الفريد (7/92-93) .

[12] "الدر المنثور"للسيوطي، تفسير سورة الممتحنة، الآية (12) .

[13] "تفسير ابن كثير"، سورة الممتحنة، الآية (12) .

[14] "العقد الفريد" (2/64) .

[15] "بلوغ الأرب"للألوسي (1/125) .

[16] رواه البخاري (7320) ، ومسلم (2669) .

[17] رواه مسلم (2310) .

[18] سورة النساء، الآية (34) .

[19] المسلمون: العدد (5700) .

[20] رواه مسلم من حديث حذيفة برقم (1847) .

[21] "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" (ص 7-8) .

أنيس الجليس - الشيخ سالم العجمي

الحمد لله والشكر له على توفيقه العام، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه هداة الأنام ومصابيح الظلام..

أما بعد..

فهذه جولة في رياض الأدب، وكلمات جميلة جمعتها من بحوره، واستخرجتها كما يستخرج اللؤلؤ من جوف البحر، وانتقيتها كما يُنتقى ثمين الجوهر، وقد جعلتها هدية لإخواني، لتكون أنيسا لهم في الوحشة، ومؤنسا في الغربة، وهي منتقاة من بعض الكتب التي اهتمت بهذا الفن.

هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن اختيار هذه الكلمات ليس لكونها صوابا لا يخالطه الخطأ، ولكن لأن هذه الكلمات فيها من الآداب التي أخذ بعضها من نصوص الكتاب والسنة، وبعضها كان نتيجة تجارب الحياة ومعايشة واقعها، مع ما امتازت به من مراعاة أعراف الناس والدلالة على محاسن الشيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت