فهرس الكتاب

الصفحة 8706 من 9994

أجريتُ دراسةٌ على المحكومِ عليهم بجرائمِ الزنى واللواط والاغتصاب، وهتكِ الأعراضِ في الإصلاحياتِ المركزية بالمملكة، فتبينَ أنَّ ستةَ عشرَ بالمائةِ من الآباءِ كانوا يقومون بمهمةِ الضبطِ الاجتماعي لأبنائهم مرتكبي الجرائم . [2] والباقي ما حالهُم؟! لقد تركوا الحبلَ على الغارب، فأصبحوا يتخبطون في لججِ الإجرام، ويخوضون في مستنقعاتِ الحرام، وفي دراسةٍ أُخرى في إصلاحياتِ النساء بالرياضِ وجدةَ والدمام، تبينَ أن ستاً وثمانين بالمائة من مرتكبات الجرائمِ من النساء، يتغيب آباؤهنَّ عن المنزلِ باستمرار [3] .

فهل يعي هذا الكلامَ أولئكَ الذين يسهرون إلى بزوغِ الفجر، أو قريباً منهُ خارجَ بيوتهم !!

هل يعي هذا الكلامَ أولئك الذين يسهرون على القنواتِ في الاستراحات !!

هل يتنبهُ أصحابُ التجاراتِ والأموالِ إلى خُطورةِ الانشغالِ عن الأهلِ والأولاد !!

هل يتنبهُ المعددون المفرطونَ عاقبةََ تخليهم عن مسؤولياتِهم تجاهَ أبنائهم ؟‍

يقول النبي r: (( كلكم راعٍ ومسئولٌ عن رعيته ..والرجل راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيته ) )فهل يُقدرُ الآباءُ هذه المسئولية، فيُراجعوا أنفسَهم، فست وثمانون بالمائة، نسبةً يجبُ أن يقفَ عندها الآباءُ جيداً، قبل أن يحلَّ الفأسُ بالرأس ، وقبل أن يندمَ في ساعةٍ لا ينفعُ فيها الندم، فاللبيبُ بالإشارةِ يفهمُ، والسعيدُ من وُعظَ بغيره، والشقيُّ من وُعظَ غيرهُ به .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم .

الخطبة الثانية

ثالثاً: ومن أسبابِ الانحراف أيضاً: العاطفةُ الزائدةُ التي تجعلُ الآباءَ يتغاضون عن توجهات أبنائهم ، ويتساهلونَ ببداياتها، أو أنَّهم يتحرجون من مواجهتهم بالنصح والإرشاد ، وبيانِ الأخطاءِ التي تلاحظُ على الأبناءِ وبأسلوبٍ أبويٍّ حكيم .

وهذا يُخالفُ ما كان عليه منهاجُ رسول الله r في التعامل مع الصغار، خذ مثلاً عندما رأى النبي r عمر بن أبي سلمة تطيشُ يدُهُ في الصحفة، فقال لهُ النبي r مبادراً لنُصحه وتوجيههِ: (( يا غلام سمِّ الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك .. ) )رواه البخاري .

ولما رأى النبيُ r صبياً قد حُلق بعضُ رأسه وتُرك بعضُه ..لم يسكت r وقال هؤلاءِ أطفالٌ صغار، أو هؤلاءِ في سنِ المراهقة، بل نهاهم عن ذلك وقال: (( احلقوهُ كلَهُ أو اتركوه كلَه ) )رواه النسائي ، قارن هذا وبين ما عليه أبناءُ المسلمين اليوم من قصا تٍ غربية حتى وهم صغار، والذي يفعلُ ذلك بهم همُ الآباء- فالله المستعان- لمَّا أخذ الحسنُ بنُ علي- رضي الله عنهما- تمرةً من تمرِ الصدقة فجعلها في فيه، قال النبي r له: كخٍ كخ، ليطرحها، ثم قال: (( أما شعرت أنَّا لا نأكلُ الصدقة ) )رواه البخاري ولم تمنعهُ r العاطفةُ الأبويةُ من أن يُحذِّر ولدَه من أكلِ هذه التمرةِ.

فأين الذين يرون أولادَهم يُشاهدون الأفلامَ؟ وينامون عن الصلاة ؟ أين نصحُهم وإرشادُهم وتذكيرُهم بالله تعالى؟ لما دخل ابنٌ لعمرَ بنِ الخطابِ وقد ترجَّل ولبس ثياباً حساناً ضربهُ عمرُ بالدرةِ حتى أبكاه، فقالت له حفصة: لم ضربتهُ ؟ قال:رأيتهُ قد أعجبتهُ نفسُهُ فأحببتُ أن أُصغرها إليه، ولمَّا دخل ابنٌ لعبد ِالله بنِ مسعود وكان لابساً لقميصٍ من حرير، قال له: من كساك هذا ؟ قال: أمي ، فقام فشقَّهُ نصفين، وقال له: قل لأمك تكسوك غير هذا . [4]

ونحنُ الآن نرى ارتداءَ بعضِِ أبنائنا ملابسَ غربية، والأبُ يُشاهدُ ابنَهُ على هذه الهيئةِ ولا يحركُ ساكناً، حتى النصيحةُ، والكلمةُ الطيبة قد تكون معدومةً، فالله المستعان .

أيُّها الآباء الكرام:

إنَّ العطفَ الأبويَ على الابن يجبُ أن يكون بالقدرِ المعقول، والطريقة الحكيمة، عطفٌ مقرونٌ بالحكمة، وحبٌ ممزوجٌ بالشدَّة، لا إفراطَ ولا تفريط، لا يتركُ للابن يعبثُ بما يشاء، والابنُ كذلك إذا حُرم من العطف فإنَّهُ يشذُّ كما يشذُّ إذا زاد عليه العطف، ولا يصلحهُ إلا جرعاتُ حزمٍ، ورشفاتُ حنانٍ، وسماتُ عطفٍ، ولمساتُ توجيهٍ وتثقيف وإرشاد.

قال بعضُ السلف: إنَّ خيَر الآباءِ من لم يدعُهُ الحبُ إلى التفريط، وخيرُ الأبناء من لم يدعُهُ التقصيرُ إلى العقوق، وصدق القائل:

فقسَ ليزدجروا ومن يكُ حازماً فليقسُ أحياناً على من يرحمِ

تلك القسوةُ الرحيمةُ أو الرحُمة القاسيةُ، من أسُس التربيةِ المنزليةِ التي تعتمد عليها الأسرة، أمَّا إذا تخلت الأسرةُ عن هذا الأسلوب، ففرطت في العقاب، أو أفرطت في الحنو، اهتزت شخصيةُ الأبناءِ، واستخفوا بالمسؤولية، وقد ثبت ذلك أيضاً من جهة الدراسات، فقد أجريتُ دراسةً في إصلاحيةِ الحائرِ بمدينة الرياض، على المحكومِ عليهم بارتكاب قضايا متعددةٍ كالمخدراتِ والسُكرِ والسرقةِ والمضارباتِ، والقتلِ والتزوير، ِفوجد أن نسبةَ أحدَ عشرَ بالمائة كانوا يجدون عقاباً من قبل والديهم، عند ارتكابهم مخالفاتٍ غيرَ مقبولةٍ في الأسرة ، بينما الغالبيةُ ذكرتُ أنَّهم لم يجدوا عقاباً من قبل والديِهم على تصرفات سلوكيةٍ سيئة في الأسرة، مما جعلهم يتمادون في ارتكابِ مخالفاتٍ خارجَ الأسرةِ، وعلى مستوى المجتمع، وأشارت تلك الدراسةُ إلى أن معاملةَ الوالدين لأبنائهم المجرمين كانت في الغالب متسامحةً، وبعضها مجاملةً ، مما انعكس سلبياً على سلوكيات الأبناءِ في المستقبل . [5]

اللهمَّ أصلح لنا نياتِنا وذرياتِنا، اللهمَّ اجعلهم صالحين مصلحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهمَّ اكفهم شرَّ الأشرار، وكيد الفجار، يا عزيزُ يا غفَّار، اللهمَّ حبب إليهم الإيمان وزينهُ في قلوبهم، وكره إليهمُ الكفرَ والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين، اللهمَّ أغنهم بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، اللهمَّ اشرح صدورهم، ويسر أمورهم، وفرج هُمومهم، واجعلهم هُداةً مُهتدين، لا ضالين ولا مُضلين، بالمعروف آمرين، وعن المنكر ناهين يا رب العالمين .

[1] - روى النسائي في سننه عن الحسن عن بعض أصحاب رسول الله r قال يعني أنس بن مالك قال دخلنا وربما قال دخلت على رسول الله r والحسن والحسين ينقلبان على بطنه قال ويقول: ( ريحانتي من هذه الأمة) .

[2] - الظاهرة الإجرامية في ثقافة وبناء المجتمع السعودي ص 51 . د . محمد السيف .

[3] - المرجع السابق ص 52 .

[4] - مجمع الزوائد (5/144) .

[5] - المرجع السابق ص 52 .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه..

إخوة الإسلام: وهُناك ظاهرةٌ تلفتُ النظر في كتابِ الله لمن تدبرَ وتأمل، فعلى الرغمِ من ذكرهِ للأممِ والشعوبِ البائدة، وحديثهِ عن الشرائعِ والرسالات السابقة، فقد كان له تركيزٌ أكثر واهتمامٌ أكبر ببني إسرائيل وأنبيائهم عامة، وبأُمةِ اليهودِ ونبيُّ الله موسى عليه السلام خاصة.

فما من أمةٍ من الأممِ إلا تناول القرآنُ تفصيل نشأتها، وتاريخ تكوينها، وبيانِ أحوالها، ودقائق مواقفها، ودخائلَ نفوسِ أفرادها، وخصائص شخصيتها، مثلَ أمة اليهود.

فأولُّ ما يبدأُ الحديثُ عن البشر بعد هبوطِ آدم من الجنةِ في سورةِ البقرة، يبدأُ عن بني إسرائيل: (( يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) ) (البقرة:40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت