فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
المساجد بيوت الله - جلا وعلا - فيها يذكر اسمه ، ومنها ينادى إلى طاعته وعبادته ، وفيها تحيا القلوب وترتفع الأرواح ، وتسجد الجباه ، وتترطب بالذكر الألسن ، وتتراص الصفوف ، وتتوحد وتتألف النفوس .
المساجد بيوت الله - عز وجل - لها احكام وآداب ، وقد كثر من عدد غير قليل من إخواننا المصلين شكواهم من عدم معرفة تلك الأحكام ، ولا مراعاة تلك الآداب ، بل تجاوز ذلك إلى ماهو أخطر وأعظم ضرر وشراً ، ومن ثم والمسجد وخطبته تعالج الأوضاع التي يعيشها أهل المسجد ومن يجاوره ،كما تعالج أوضاع الأمة كاملة ؛ فإننا لنا في هذا المقام وقفات كثيرة .. وهي لا تتحدث عن شرق أو غرب ، ولا عن بلاد في هذه الجهة أو تلك ، إنما تتحدث عنا وعن ما يجري وما يكون في مسجدنا وواقعنا ومثله وغيره كثير من المساجد .
كيف الأمر ونحن نتحدث عن بيوت الله - عز وجل - التي أخبر الله وذكر نسبتها إليه: { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } .. {إنما يعمر مساجد لله } .. لمثل هذا المقام هل نجعلها مثل بيوتنا على أقل تقدير ؟ هل نحن عندما نأتي إليها أو نكون فيها أو نتعامل في داخلها نراعي حرمتها ونراعي مقامها ؟ ونبينا - كما صح عند البخاري من حديث عثمان - يقول: (من بنا لله مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله بيتاً في الجنة ) .
فهي بيوت الله - جلا وعلا - والشهادة الأخرى التي ينبغي أن نستشعرها ، ونحن نقدم لهذا الحديث هي أن عمار المساجد أهل الله - عز وجل - عباده هم في خلاصة الأمر صفوة من العباد والخلق الذين يجيبون نداءه ، ويخفون إلى طاعته ، ويقبلون إلى مرضاته ، فكيف إذا كانت تخل بالأحكام ولا تراعي الآداب ولا تلتفت إلى الحرمة بل يقع من البعض ما هو أكثر من ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاه ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المفلحين } ، يقول ابن كثير:"شهد الله بالإيمان لعمار المساجد".
وذكر ابن كثير من رواية عبد بن حميد في مسنده عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنما عمار المساجد هم أهل الله ) ، ورواه الزار كذلك عن أنس وروى عبدالرزاق عن عمر بن ميمون أنه قال:"كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أدركتهم وهم يقولون أن المساجد بيوت الله في الأرض ، وأنه حق على الله أن يكرم من زراه فيها ، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها".
لكن الضيف يجب أن يراعي أدب المكان ، وأدب المضيف - وهو الرحمن سبحانه وتعالى - فنحن في بيوته ونحن أنما جئنا لعبادته ، ونحن إنما تفرغنا لذكره .. فكيف بنا نخدش ذلك ؟ أو لا نلتفت إلى الأمور الواجبة و المفردات الآداب اللازمة ، والتعظيم المطلوب لها ؛ فإن هذه البيوت بيوت الله - سبحانه وتعالى - لأجل ذلك أمرنا الله ونبهنا وذكرنا أن نراعي مايجب لها { يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } ، ذكر ابن كثير في تفسيره قال:"وفي هذه الآية - مع ماورد في السنة النبوية - يستحب التجمل عند الصلاة ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد .. الطيب لأنه من الزينة والسواك لأنه من تمام ذلك"، وقال السعدي:"كذلك يحتمل أن المراد بالزينة هنا ما فوق ذلك من اللباس النظيف الحسن ففي هذه الآية الأمر بستر العورة في الصلاة وباستعمال التجمّل فيها ونظافة السترة من الأوساخ والأرجاس".
نحن إذا ذهبنا إلى زيارة أحد من الأصدقاء - فضلاً عن الفضلاء - تزيّنا لذلك ، ولبسنا من الثياب أحسنها ، ووضعنا من أنواع الطيب أعطرها وجعلنا لأنفسنا من الهيئات أفضلها ، فإذا جاء بعضنا إلى المساجد رأيته وهو يأتي بثياب النوم التي لا يرضى أن يتقبل بها أحد في بيته ، وربما وجدت بعضهم وهو يأتي في ثياب مهنته - أي ثياب عمله - قد أسوّد بعضها ، وفي بعضها من القذر وكراهة الرائحة بما فيها ..
وبعضهم يأتي بالملابس قد كتب عليها من الكلمات ومن الصور ما لا يليق أن يكون في بيت من بيوت الله - عز وجل - وربما وجد بعضاً وفي لباسهم ما يعد مخالفاًَ لستر العورة ، إما من قصر أو ضيق أو تشبه أو نحو ذلك ، وهذا خلاف الأمر الرباني لأخذ الزينة اللازمة .
وكان من هيئة الإمام مالك - إمام دار الهجرة رحمه الله - إنه إذا خرج إلى المسجد اغتسل ولبس أحسن ثيابه ، وتطيّب ، فإذا خرج لم يكن يكلّم أحداً ولا يكلمه أحد حتى يدخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيصلي ثم يشرع فيحدّث بحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام .
هكذا كانوا يعرفون حق قدومهم على بيوت الله - عز وجل - من غير مخيلة ولا رياء ولا مبالغة ، لكن من غير استهانة وتفريط وعدم مراعاة حرمة وتقدير قدر وغير ذلك مما تعلمونه من صور كثيرة تناقض ذلك وتعارضه .