فهرس الكتاب

الصفحة 8343 من 9994

ألا تسألني ما صنعت بالأوصال؟ نزعت الكفين من الذراعين، والذراعين من العضدين، والعضدين من الكتفين، والوركين من الفخذين، والفخذين من الركبتين، والساقين من القدمين.

بكى عمر بن عبد العزيز وقال:"ألا إن الدنيا بقاؤها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، شبابها يهرم، وحيها يموت؛ فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها".

وقال الحسن:"ابن آدم: إنك تموت وحدك وتُبعث وحدك وتحاسب وحدك، ابن آدم: لو أن الناسَ كلهم أطاعوا الله وعصيت أنت لم تنفعك طاعتهم، ولو عصوا الله وأطعت أنت لم تضرك معصيتهم."

ابن آدم: ذنبك ..ذنبك؛ فإنما هو لحمك ودمك، فإن سلمت من ذنبك؛ سلم لك لحمك ودمك، وإن تكن الأخرى؛ فإنما هي نارٌ لا تطفأ، وجسم لا يبلى، ونفس لا تموت.

وحدثتك الليالي أن شيمتها تفريق ماجمعتُه فاسمع الخبرا

وكن على حذرٍ منها فقد نصحت وانظر إليها ترى الآيات والعبرا

فهل رأيت جديداً لم يَعُد خَلِقاً؟ وهل سمعت بصفوٍ لم يَعُد كدرا؟

فحريُّ بالعبد حين يوقن بأنه راحل عن هذه الدنيا أن يستعد لرحيله، ويتزودَ من الزاد الذي يبلغه إلى حيث النجاة والسلامة.

وقد نصحنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وأخلص في النصيحة لمعرفته بما ينتظرنا من أهوال، قال عبدُ الله بن عمر: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول:"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" (7) .

ومن تأمل أحوال الماضين وكلامَهم حين منازعة الروح في حال الاحتضار، كان ذلك أعظم واعظٍ له؛ فقد بلَّغوا الوصية بأصدق لهجة، ووصفوا حالَهم بأتّمِ بيان وأجزله؛ لمّا عاينوا الحقيقة.

لما حضرت معاوية بن أبي سفيان الوفاةُ، قال:"أقعدوني، فأُقعد فجعل يسبح الله تعالى ويذكره، ثم بكى وقال: تذكر ربك يا معاوية بعد الهرم والانحطاطِ؟"

ألا كان هذا وغض الشباب نَضِرٌ ريان؟ وبكى حتى علا بكاؤه، وقال: يا رب ارحم الشيخ العاصي، ذا القلب القاسي، اللهم أَقِلْ العثرةَ، واغفر الزلة وجد بحلمك على من لا يرجو غيرَك ولا يثق بأحد سواك"."

وقال عبد الملك بن مروان في مرض موته: ارفعوني، فرفعوه حتى شم الهواء وقال: يا دنيا ما أطيبك، إن طويلك لقصي، وإن كثيرك لحقي، وإنْ كنا بك لفي غرور. وقيل له: كيف تجدك؟ قال: أجدني كما قال الله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} (8) .

وقال بعضهم: دخلنا على عطاء السلمي نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا له: كيف ترى حالك؟ فقال:"الموت في عنقي، والقبرُ بين يدي، والقيامة موقفي، وجسر جهنم طريقي، ولا أدري ما يفعل بي؛ ثم بكى بكاءً شديداً حتى غُشِيَ عليه، فلما أفاق قال: اللهم ارحمني، وارحم وحشتي في القبر، ومصرعي عند الموت، وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الراحمين"0

فيا عبد الله: إنْ كان هذا هو حال الأتقياء البررة، فكيف بحال المسرفين على أنفسهم أمثالنا، وقد كثرت ذنوبنا، وقل زادنا مع بعد السفر.

هل أعددنا لأنفسنا زاداً يبلغنا الغاية، أم لا نزال بالتسويف والأمنيات حتى يبغتنا الأجل.

إن الكيس الفطن من أعد لسفره عدته، وجهز لرحيله مؤنته، ثم بعد ذلك يرجو رحمة الله وعفوه ومغفرته.

كلنا سنرحل عن هذه الدنيا، ولكن هل عملنا لما بعد الموت؟!

كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها.

{كلا إذا بلغت التراقي * وقيل من راق * وظن أنه الفراق * والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذ المساق} (9) .

نسأل الله أن يرحمنا برحمته، وأن يغفر ذنوبنا، ويستر عيوبنا، ويرحم مقامنا يومئذٍ بين يديه.

كتبه

سالم العجمي

22 رمضان 1425هـ

5/11/2004م

الكويت - الجهراء ص.ب: 1476

الهوامش:

(1) رواه النسائي والترمذي وابن ماجة، وهو صحيح، انظر: إرواء الغليل للألباني رقم:682.

(2) رواه البخاري (4094) .

(3) الواقعة 83-85.

(4) آل عمران 185.

(5) ق آية: 19.

(6) رواه مسلم (5260) .

(7) رواه البخاري: (5937) .

(8) الأنعام آية: 94.

(9) القيامة آية: 26-30.

-الشيخ سالم العجمي

الحمد لله وحده، والصلاة على رسوله وعبده، وبعد..

فاعلم أيها المسلم أن الله سبحانه إنما خلق الخليقة لعبادته سبحانه، فأمرهم بتوحيده وإفراده بالعبادة، فمن وحده حق التوحيد عاش أمنا في هذه الدنيا وفي الآخرة، واطمئن عيشه وهدأت نفسه، ومن أشرك بالله جل وعلا أحدا كانت حياته هما وغما وإذا به يقاد إلى نار جهنم خالدا فيها أبدا.

فمن أراد بحبوحة العيش في الدارين فليوحد الله جل وعلا حق توحيده [وليستقم] على طاعته.

والتوحيد هو أن يصرف العبادة لله وحده ولا يصرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله، فإنه إن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله جل وعلا عُدّ مشركاً، فلا يقبل الله منه صرفا ولا عدلاً، ولا يُتقبَّل منه عمل وإذ به في الآخرة من الخاسرين، {إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ، ومن تأمل بما أعده الله سبحانه وتعالى للموحدين الذين يفردونه بالعبادة، سارع إلى ذلك وعلم أن عقوبة الشرك لا عقوبة أشد منها.

وانظروا إلى فضله سبحانه وتعالى حيث أنه يجازي صاحب المعصية بالمغفرة إذا كان موحدا فيدخله في رحمته ويعامله بعفوه وإحسانه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفضل العظيم بقوله:"يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا (يعني من الذنوب والمعاصي) ، كل سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئا فيقول: لا يا رب. فيقال: ألك عذر ألك حسنة، فيهاب الرجل فيقول: لا. فيقال: بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك."

{ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} ، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: أي ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟‍ فيقال: إنك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفه والبطاقة في كفه فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء"، لكن هذا قال لا إله إلا الله وعلم أن معناها: لا معبود بحق إلا الله، فهو وإن كان مسرفا على نفسه بالمعاصي ولكنه لم يصرف نوعا من أنواع العبادة لغير الله.. فلا يصلي مع المسلمين وهو يدعو عليا أو الحسين أو العباس أو غيرهم."

ولا يصلي مع المسلمين وقلبه معلق في القبور، فإذا أصابته مصيبة نادى يا علي يا حسين يا خضر يا عباس، لا.. لا يقول هذا.

ولا يقول: يا بخت فلان (ولا نخاف من السيد فلان يشوّر فينا) ، لا يقول هذا، ولا يعتقده.

ولذلك قال أهل العلم في قول الله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريماً} : إن من اجتنب كبائر الذنوب يكفّر الله عنه الصغائر، وكذلك من ترك الشرك فإن الله سبحانه وتعالى يغفر له ما وقع منه الكبائر لأنه إن كان موحداً دخل تحت رحمة الله، وهو سبحانه الذي لا معقب لحكمه ولا يُسأل عما يفعل، فإن شاء عذب وإن شاء غفر، وإذا شاء سبحانه أن يغفر للعبد فمن يرده؟!، ولكن لا بد أن يكون موحداً يا عباد الله.

واعلموا أن فساد الدين لا يأتي إلا بالاعتقادات الباطلة، والتكلم به، أو العمل بخلاف الحق والصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت