فهرس الكتاب

الصفحة 8344 من 9994

ومما أفسد عقائد الناس وحرفهم عن السبيل الصحيح، تلك القبور المشيدة التي تعبد من دون الله وتُدعى من دون الله، سواء في السعي إليها أو تعلق القلوب بها.

ولذلك فقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من كل فعل يكون على هذه القبور، فيكون بعد ذلك وسيلة لعبادتها من دون الله، كالبناءِ عليها وتعظيمِها والغلوِّ في أصحابها، فإن هذا كله يفضي إلى الشرك بالله سبحانه، ولذلك لما ذكرت أم سلمة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها في أرض الحبشة، وما فيها من الصور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح ـ أو العبد الصالح ـ فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"، والمقصود بجعل القبور مسجداً، جعلها موضعاً للعبادة.

والشرك بقبر الرجل الذي هو معروف، أشد داعياً إلى عبادته من الوثن الذي لا يُعرَف صاحبه، فالناس عادة إذا علموا أن هذا قبر فلان وهو رجل صالح معروف، قد يكون نبيا، أو صحابيا وهم برءاء من الشرك وأهله، فإن النفوس تسارع إلى الإشراك به من دون الله، ليس كالوثن أو الصور التي لا يُعرَف أصحابها، ولأجل كل هذا فقد اشتد تحذيره صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور مساجد.

وبسبب الجهل المنتشر ـ ومع الأسف الشديد ـ تجد بعض إخواننا إذا سافر إلى بعض البلدان ومر على بعض المساجد التي فيها القبور صلى به، وهو حسن النية، ولكن هذه الصلاة باطلة لا تجوز.

وتأملوا إلى أنصح الخلق للخلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي اشتد تحذيره من هذا الفعل المنكر إلى وقت موته، تقول عائشة رضي الله عنها:"لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفِقَ"أي جعل"يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها وقال وهو كذلك:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر مما صنعوا، تقول عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خُشي أن يُتخذ مسجداً"، (أي موضعاً للعبادة) ، فانظروا إلى تحذير الصادق المصدوق من اتخاذ القبور مساجد، ولعنِه من فعل هذا الفعل، هذا مع أن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فكيف بمن اتخذ قبور من هو أدنى حالاً من الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم؟!

كما دعا صلى الله عليه وسلم بقوله:"اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد"، فإذا كان قبره ـ صلوت ربي وسلامه عليه ـ إذا عُبد من دون الله عُدّ وثنا فكيف بقبر غيره؟!

ولما خالف الناس أمر النبي صلى الله عليه وسلم افتتنوا بعبادة القبور، من قبور الصالحين وغيرهم، وعظموها تعظيما مبتدَعاً آل بهم إلى الشرك، حتى خرجوا من الإسلام، {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} ، وهاهم يصرفون العبادة التي لا تجوز إلا لله يصرفونها للقبور، من الصلاة عندها، والطواف بها، والنذر لها، ودعائها، وسؤالها قضاء الحاجات وتفريج الكربات، فإذا حلّت بهم مصيبة لم تتوجه القلوب إلى الله، ولكن توجهت إلى قبر فلان بن فلان، وهذا كله من الشرك المخرج من الملة.

فيا عباد الله: لا تضيعوا نصيبكم من الله، واعلموا أن العبد ولو كان مسرفاً على نفسه بالمعاصي، فإنه حري أن يدخل تحت رحمة الله إذا كان موحداً، وأما إذا كان مشركاً فلا يتعب نفسه بعمل من الأعمال فعمله مردود عليه، يقول سبحانه:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك"، فلا يقبل الله ـ سبحانه وتعالى ـ الذي أمرنا بعبادته وحده أن نشرك به غيره.

ومع هذا النهي الأكيد والوعيد الشديد، تجد هؤلاء المشركين يشركون بالله أناساً لا يملكون لأنفسهم ضراّ ولا نفعاً، مع أن الشرك يدل على حمق صاحبه وأنه بليد، ولو كان عاقلاً فكيف يأتي إلى جدار فيدعوه من دون الله؟!.

ولو كان صاحب القبر يملك لنفسه شيئاً لأحيا نفسه من الموت وقال للناس ادعوني، أو كان صالحاً لقال للناس دعوني وتبرأ من شركهم، يقول الله سبحانه وتعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} ، فلا يحسون بالذين يدعونهم من دون الله، ويوم القيامة يتبرؤون من شركهم وما اقترفوا من الأعمال نحوهم.

ومن رأى العالم الإسلامي وما فيه من كثرة القبور تملّكه الهم والغم، فكيف بأمة تريد أن ترتقي وقلوب كثير منها متعلقة بهذه الأوثان؟!

وكيف بأمة تريد النصر وهي تدعو غير الله، وتعبد غير الله، يقول سبحانه: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً} ، فالدين الذي يمكنه الله هو دين التوحيد، وشرط التمكين هو عبادة الله وحده لا شريك له.

فإذا أرادوا الاستخلاف والتمكين في الأرض، وأرادوا الأمن في الدارين فلا بد أن يعملوا بالشرط: {يعبدونني لا يشركون بي شيئاً} .

فإذا أردت النجاة عبد الله، فحقق توحيدك وقصدك لله، وتوجه بقلبك إلى الله، وانزع من قلبك كل اتجاه لغير الله، فهو سبحانه الضار النافع والمعطي المانع، لا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى.

ومن المحادة لله تلك الحملة الشرسة التي بدأت تقودها بعض القنوات الإعلامية بتفننها في إعلاناتها للقبور والأوثان التي تعبد من دون الله، سواء كان ذلك في الإعلام المكتوب أو المرئي أو المسموع، ويسمون تلك القبور بالعتبات المقدسة، وهذه تسمية قد أوحاها إليهم الشيطان، لأنه يفرح بعبادة غير الله، ولإكثار حزبه وأتباعه في نار جهنم، فيكونون مخلدين في نار جهنم لا يخرجون منها أبدا.

وأولئك الذين يدعون القبور بأنها عتبات مقدسة، إنما فعلوا ذلك لجهلهم وحمقهم، فليس عندنا في دين الإسلام (عتبات مقدسة) ، سواء كان ذلك القبر لنبيٍّ من الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم، أو لصحابيًّ جليلٍ نشهد أنه في الجنة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بريء ممن يشركون به من دون الله، لكن عندنا في دين الإسلام أماكن قد ورد الشرع المطهر بأنها أماكن فاضلة، وهذه الأماكن كالمسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، التي صح فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"، فلا يجوز لعبد من عباد الله يرجو النجاة بين يدي الله والخلاص من نار جهنم أن يشد رحله ويذهب إلى قبر من القبور من أجل أن يصلي فيه، أو أنه يدعوه أو يستغيث به، أو يسأله حاجة من حاجات الدنيا، حتى ولو كان قبره صلوات ربي وسلامه عليه، فلا يجوز للعبد أن يشد رحله راكباً من ها هنا وهو نيته أن يذهب للقبر، فإذا أراد زيارةً فلينوِ زيارة المسجد النبوي الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، أما إذا نوى زيارة القبر فهذه بدعة وضلالة مفضية إلى الشرك، والنبي صلى الله عليه وسلم أنزه الناس عن الشرك وأفضلهم تحقيقا لتوحيد ربه جل وعلا، فالذي قطع علينا هذا الدرب المؤدي إلى الشرك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان هذا العمل مع قبره فكيف بمن هو دونه؟!

فلا تغرنّكم تلك المسميات من أهل الباطل، فإن بعضهم بدأ يمهد من أجل أن تزور الناس هذه القبور، أو على الأقل أن تتعلق قلوبهم في الوقت الحالي بها، حتى إذا سنحت لهم الفرصة فإذا بهم يركضون ويهبون مسرعين من أجل الإشراك بالله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت