فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن مظاهر التقصير في التربية الدعاء على الأولاد فكم من الوالدين وخصوصاً الأمهات من يدعو على أولاده فتجد الأم ـ ولأدنى سبب ـ تدعو على ولدها بالمرض وسائر المصائب بمجرد أن ترى منه عقوقاً أو تمرداً، ربما كانت هي السبب فيه، وما علم الوالدان أن هذا الدعاء قد يوافق ساعة إجابة فتقع الدعوة موقعها فيندمان حين لا ينفع الندم. وقد قيل: إن الدعوات كالحجارة التي يرمى بها، فمنها ما يصيب ومنها ما يخطئ.
ومن صور التقصير في التربية تربيتهم على سفاسف الأمور كتشجيع الأندية وتقليد الكفار وتعويد البنات على لبس القصير من الثياب وإطلاق العبارات النابية والكلمات المقززة من خلال كثرة ترداد الوالدين لتلك العبارات.
ومن صور التقصير أيضاً فعل المنكرات أمام الأولاد كشرب الدخان وسماع الأغاني ومشاهدة الأفلام.
ومن أعظم صور التقصير أيضاً جلب المنكرات إلى البيوت، سواء كانت من المجلات الخليعة أو أجهزة الفساد المدمرة كالدش وغيره، فهذه وسائل تخريب ومعاول هدم وأدوات فساد وانحلال ومدارس لهدم العقيدة وتمييع الأخلاق، فهذه الوسائل لها قدرة كبيرة على الإقناع، ولها دور كبير في تهميش دور الأسرة وتنحيته جانباً.
ومظاهر التقصير كثيرة كثيرة لا نستطيع حصرها في خطبة واحدة.
فاتقوا الله أيها المسلمون وجنبوا أبناءكم كل الوسائل التي تؤدي إلى إفساد أخلاقهم وعودوهم على فضائل الأخلاق.
ألا وصلوا عباد الله على خير خلق الله...
ماجد بن عبد الرحمن الفريان
الرياض
سليمان بن مقيرن
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-المرء على دين خليله. 2- خصال الصديق الصالح. 3- مصاحبة الصالحين دواء القلوب.4- دعوة للأخيار بحسن المعاملة مع من أقبل على الخير والهداية. 5- الرفقة مطلب نفسي لا يستغني عنه الإنسان. 6- أهمية الصحبة الصالحة خاصة في مرحلة الشباب.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى.
معاشر المسلمين، الصحبة والصداقة عاطفة سامية القدر ونعمة غزيرة المآثر، وإن من مظاهر امتحان الأخلاق واختبار الأدب ما يعانيه الإنسان في حياته من اختيار أصحاب له وأخلاء، يقرُب من هذا، ويبعد من ذاك، ويتوافق مع أقوام، ولا يتلاءم مع آخرين، يدرك أن صاحبه هو رقعة ثوبه، فينظر بم يرقع ثوبه، ويرتضي لنفسه ما يوافق شخصيته وما يحب أن يزنه الناس به؛ ذلك أن ميزان الإنسان أصدقاؤه، فقل لي من صاحبك أقل لك من أنت، والناس تعرِف المرء صالحًا أو طالحًا من خلال النوعيّة التي شاكلها والصحبة التي سايرها، ولقد جسّد ذلك محمّد بقوله: (( الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ) )أخرجه أبو داود بإسناد صحيح.
فالإنسان موسوم بسيماء من قارب، ومنسوب إليه أفعال من صاحَب، وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: (ما من شيء أدلّ على شيء ولا الدخان على النار من الصاحب على الصاحب) ، وقال عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه…فكل قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم…ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
ولما للصاحب من أثر بالغ على صاحبه نهى النبي عن صحبة غير المؤمنين فقال: (( لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي ) )أخرجه أبو داود والترمذي بسند لا بأس به.
أيها المسلمون، كم ضل من ضل بسبب قرين فاسد أو مجموعة من القرناء الأشرار، وكم أنقذ الله بقرناء الخير من كان على شفا جرف هار فأنقذه الله بهم من النار.
وإن من الخيبة ـ والله ـ أن ترى المرء لا تنبسط أساريره إلا مع قرناء السوء، ويصطفي لنفسه من مجموع هذه الخلائق أراذل الناس، إن همَّ بخير ثبطوه، وإن أبطأ عن سوء عجلوه، وإن استحيا من منكر شجعوه وهونوه، فهم دعاة له على طريق جهنم، إن استمر معهم أردوه في أبأس عاقبة وأتعس مصير، وكانت عاقبته الندامة والعض الشديد على اليدين ندمًا على صحبتهم، وإن أشاح عنهم بوجهه وبدنه وعقله وفكره وبحث عن الصحبة التي تدعوه إلى الجنة عصمه الله بإذنه، وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ياوَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِى وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان:27-29] .
معاشر المسلمين، ذكر أهل العلم والأدب جملة من النعوت والأوصاف يعرف بها الأصحاب في حسن مناقبهم والخلان في مستحسن مذاهبهم يجمل بالمرء أن يعرفها، ونحن نذكر في هذا المقام ثلاث خصال تحوي فروع الفضائل، ولا يمكن التنازل عنها في الصديق:
الخصلة الأولى: عقل موفور يهدي إلى مراشد الأمور، فالأحمق لا تثبت معه مودة، ولا تدوم لصاحبه استقامة، وعداوة العاقل أقل ضررًا من صحبة الأحمق.
الخصلة الثانية: دين يقف بصاحبه على الخيرات ويحجزه عن المنكرات، وقليل الديانة عدو لنفسه قبل غيره، فكيف ترجى منه مودة غيره؟! والصديق الفاسق شؤم على صاحبه لأنه لن يتركه وشأنه، بل سيجرّه معه إلى فسقه ومجونه، ليُذهب عن نفسه وحشة الانفراد بالمعصية، أو ليهدم حاجز النفرة بينه وبين صديقه بسبب معصيته.
الخصلة الثالثة: أن يكون محمود الأخلاق مرضي الفعال مؤثرًا للخير آمرًا به كارهًا للشر ناهيًا عنه، ولا يكفي التدين دون الخلق الحسن؛ لأن المرء قد يطبع على خلال لا تستقيم معها الصحبة.
معاشر المسلمين، وإذا كانت القلوب تموت بمصاحبة الأشرار أو تصاب بالعلل الكبرى فإن في مصاحبة الأخيار دواءً للقلوب وحياة لها، وقد يقنع المرء بصحبة الصالحين، ولكنه يجد في نفسه تثاقلاً أو حياءً أو حواجز نفسيةً تمنعه من صحبتهم، فلا بد أن يجاهد نفسه في البداية فإنها ستنقاد له في النهاية، ولا بد أن تعلم ـ أخا الإسلام ـ أن العتبة الأولى في مصاحبة الصالحين هو أن تكون صالحًا مثلهم، فإذا أصلحت حالك زالت عنك وحشة الذنوب، وانقشع عنك ذل المعصية، وأتتك الجرأة على صحبتهم، فاستعن بالله تعالى وبادر قبل الندم.
وأنتم ـ معشر الأخيار ـ إذا جاءكم المرء مقبلاً على الخير فإياكم أن تكفهرّوا في وجهه حتى ولو رأيتم عليه بقايا المعاصي، فحقّ من وضع رجله في الطريق الصحيح أن يقابل بالودّ والترحاب، وحقّ من استغاث بأهل الخير أن يغيثوه، وإنّ من الخطأ أن ينغلق أهل الخير على أنفسهم أو تكون الريبة هي الأصل في تعاملهم.
فيا أخا الإسلام، نصيحتي لك أن تفرّ من المجذوم في هذه الحياة فرارك من الأسد، ولا تسلّم فكرك للآخرين يقودونك حيث شاؤوا ويوقعون بك من مصائب الدنيا ما يظلّ خزيه يلاحقك ما حييت، والفضيحة على رؤوس الأشهاد أنكى وأخزى، وهذا كتاب الله يقصّ عليك حوارًا معبّرًا عن أثر القرين إلا من حمى الله ووقى، يقول تعالى: قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ يَقُولُ أَءنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدّقِينَ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَءنَّا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَءاهُ فِى سَوَاء الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبّى لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:51-57] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية