فهرس الكتاب

الصفحة 7962 من 9994

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، ناصرُ المستضعفين، ومؤيِّدُ المؤمنين، وقاهرُ الجبَّارين، ومذلُّ المتكبرين، وأشهدُ ألاَّ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، رضي لنا الإسلامُ ديناً، ونصبَ لنا الأدلةَ على صحتهِ برهاناً مبيناً، ووعدَ من قامَ بأحكامهِ ودعائمهِ وأركانهِ ثواباً جزيلاً وفوزاً عظيماً، فهو دينهُ الذي ارتضاهُ لنفسهِ، فلا يقبلُ من أحدٍ ديناً سُواه، (( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ) (آل عمران:85) .

وحكم سُبحانه بأنَّهُ أحسنُ الأديان ، فقال ومن أصدقُ منهُ قيلاً: (( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ) ) (النساء:125) .

وكيف لا يميزُ من لهُ أدنى عقلٌ يرجعِ إليه ، بينَ دينٍ قامَ أساسُهُ، وارتفعَ بناؤهُ على عبادةِ الرحمن، ومعاملةِ خلقهِ بالعدلِ والإحسان، وبين أديانٍ أُسِّست على الشركِ وعبادةِ الشيطان، والتوجهُ إلى النيرانِ وعبادةِ الصُّلبان، أو دينِ الأمةِ اليهوديةِ

الغضبيةِ، الذين انسلخوا من رِضوانِ الله، وباؤوا بغضبٍ من الله، وفارَقُوا أحكامَ التوراةِ ونبذُوها وحرَّفُوها، ولمَّا جاءَهم ما عرفوا من دينِ الإسلامِ كفروا به، فلعنةُ اللهِ على الكافرين .

وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُ اللهِ ورسوله، وصفوتهِ من خلقهِ، وأمينهِ على وحيهِ، وسفيرهِ بينهُ وبينَ عبادِهِ ، أرسلهُ إلى جميعِ الثقلينِ شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى اللهِ بإذنهِ وسراجاً مُنيراً، هذا النبيُّ الكريمُ بشَّرت به الكُتبُ السالفة، وأخبرت بهِ الرسلُ الماضية، فهو سيدُهم وإمامُهم وأفضلُهم، اللهمَّ- صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه- ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين .

أمَّا بعدُ فيَا أيُّها النَّاس: اتقوا الله تعالى، واشكروهُ على أن هداكم إلى الإسلام، وجعلكم من أمَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وكُونُوا ممن يحذَرُ كيدَ المبطلين، ويستبينَ سبيلُ المجرمين، من اليهودِ المغضوبِ عليهم والنصارى الضالين، وأتباعُهم وإخوانُهم من المُنحرفينَ المُفسدين.

أيُّها المسلمُون:إنَّ الصِّراعَ بينَ الحقِّ والباطلِ لم يتوقف منذُ خلقَ اللهُ الخلائقَ وهُو الحكيمُ العليم، ومنذُ أن أشرقت شمسُ الإسلامِ الساطعةِ، ظهرت بوادرُ حربٍ ضروسٍ بينَهُ وبينَ أعدائهِ الحاقدين، من أهلِ الكتابِ والمُشركينَ وعمومَ المنافقين، فأثارَ هؤلاءِ الأعداءِ كوامنَ الحقدِ الدفينِ للإسلامِ والمسلمين، ولقد كانَ اليهودُ أمضى هؤلاءِ الأعداءِ سلاحاً، وأكثرُهم خطراً، وصدقَ اللهُ العظيمُ حيثُ يقول: (( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ) ) (المائدة:82) .

لقد امتلأت قلوبُ اليهودِ حقداً وحسداً، وتخطيطاً ومكراً، ولا سيما وهُم يَرون انتقالَ النبوةِ من بني إسرائيلِ إلى بني إسماعيل (العرب) ، فترقبوا بعثتهُ صلى الله عليه وسلم لا ليُؤمنوا به، وإنَّما ليُنفذوا ما بيَّتوهُ له من حقدٍ وعداوة، لقد كانَ اليهودُ قبلَ بعثةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم يستنصرونَ بمجيئهِ على المشركينَ إذا قاتلوهم، يقولون: سيُبعثُ نبيٌّ في آخرِ الزمانِ نقتلُكم معهُ قتلَ عادٍ وإِرَم، فلمَّا بعثَ اللهُ محمداً صلى الله عليه وسلم ، ورأوا أنَّهُ من غيرهم كفروا به حسداً للعربِ، وهم يعلمون أنَّهُ رسولُ الله حقَّاً .

تقولُ أمَّ المؤمنين صفية بنت حييّ- رضي الله عنها-: (كنتُ أحَبَّ ولدَ أبي إليهِ وإلى عمِّي أبا ياسر، لم ألقهما قطُّ مع ولدٍ لهما إلاَّ أخذاني دونَه، فلمَّا قدمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، ونزلَ بقباء في بني عمرو بن عوف، غدا علي أبي حييُّ بن أخطبَ وعمي أبو ياسر مغلِسين،(أي مبكِّرين وقتَ الفجر) فلم يرجعا حتى كان غروبَ الشمس، فأتيَا كالَّين كسلانين، ساقطين يمشيان الهوَيْنَى، قالت: فهشَشْتُ إليهما كما كنتُ أصنع، فوا الله ما التفتَ إليَّ واحدٌ منهما، قالت وسمعتُ عمِّي وهو يقولُ لأبي: أهوَ هوَ ؟ قال: نعم والله . قال: أتعرفهُ وتثبتهُ ؟ قال: نعم . قال: فما في نفسكَ منهُ ؟ قال: عداوتهُ واللهِ ما بقيت ) .

أيُّها المسلمُون: إنَّ تاريخ اليهودِ الأسودِ المظلم، يشهدُ عليهم بأنواعٍ من الجرائمِ والاعتداءات، نعم، ألم يكفروا بنعمِ الله، ويعبدوا غيرَ الله، أما تآمروا على خيرِ خلقِ الله، هُم قَتَلَةُ الأنبياء، وصفهم خالقُهم، والعليمُ بهم في كتابهِ المنزل، بالفسادِ والإفسادِ، فقال الله عزوجل: (( إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ) (سورة المائدة:33) .

وقال: (( وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ) (سورة المائدة:62) .

لقد تسلسلت مُؤامَراتُهم ضدَّ الإسلام ونبي الإسلام- عليه الصلاة والسلام- ، لقد حُرَّضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلسلةٍ متصلةَ الحلقات، فتآمرَ (بنو النضير) منهم لاغتيالهِ صلى الله عليه وسلم ، قاصدينَ إلقاءَ حجرٍ كبيرٍ عليه مِن أعلى بيتٍ كان يجلسُ عنده، وأهْدُوا لهُ شاةً مشويةً دسُّوا فيها السُّمَّ الزُّعاف، ولكن تُرى هل توقفَ الكيدُ اليهودي عند هذا الحدِّ ؟ الحقيقةُ أنَّ يهودَ الأمسِ سلفٌ سيءٌ لخلفٍ أسوأ، إنَّ يهودَ الأمسِ الذين خططوا ومكروا لتدميرِ الإسلامِ في مبدأ ظهورهِ، وتدميرِ صرحهِ وأخلاقه، هُم الذين يُخطِطُون اليومَ مع طوائفٍ من النصارى الصليبيينَ لهدمِ المسجدِ الأقصى، ومسجدَ الصخرةِ لبناءِ الهيكلِ اليهودي الثالثِ في مكانهِ.

لما تخلى كثير من المسلمين شعوباً وقادةً عن دينهم، وأعرضوا عن كتابِ ربهم ، وصارت حياتُهم حياةً غربيةً، ولحق فئامٌ منهم بالمشركينَ وأهلَ الكتاب، وتركوا الدعوةَ والجهاد، سُلِّط عليهم حفنةٌ من يهود، من حُثالةِ الشعوب، فاستولوا على فلسطين الأرضَ المباركةِ المقدسة، التي فيها المسجدُ الأقصى، ثاني مسجدٍ بناهُ إبراهيم عليه السلام بعد المسجدِ الحرام، في الصحيحينِ عن أبي ذرٍّ قال: (( قلتُ يا رسولَ الله: أيُّ مسجدٍ وُضعَ في الأرضِ أوَّل ؟ قال: المسجدُ الحرام . قلتُ ثمَّ أيّ ؟ قال: المسجدُ الأقصى . قلت كم بينهُما ؟ قال أربعونَ سنة ) ). وهو أحدُ المساجدِ الثلاثةِ التي لا تشدُّ الرحالُ إلاَّ إليها، كما صحَّ ذلك عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت