د. علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون
حديثنا موصول عن صمام الأمان الذي يحفظ الإيمان ، ويقيم الدين، ويثبت الصلاح وينفي الشر ويدفع الضر بإذن الله عز وجل، الشعيرة العظمى والقطب الأكبر في ديننا العظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وقد سلف لنا حديث يكشف عن أهميته، ويبرز خطورة تركه، والحديث اليوم مباشر إلينا، وموجه لكل واحد منا، كيف الطريق إلى القيام بهذه المهمة، والأخذ بهذه الشعيرة، والتحقق بهذه السمة اللازمة لكل مؤمن ومسلم، لأننا لا نريد أن نرسل الكلام على عواهله ولا أن نصف ونسرد الأدلة متتابعة في الأهمية أو الوجوب ثم لا يكون لنا من وراء ذلك عمل نقوم به ولا مهمة نتصدى لها .
وما جاس المنكر خلال الديار وما دخل إلى عقر الدار، وما ظهرت أعلامه وما كثرت أقلامه، إلا يوم ضعف الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أو قل عددهم ، فكأنما خرست الألسنة ، وعميت الأعين ، وصمّت الآذان ، وماتت القلوب .. نسأل الله عز وجل السلامة .
فلعلنا نشير هنا إلى الأمر المهم الأول، وهو استشعار الغيرة الإيمانية، واستحضارها في القلب، تلك الغيرة التي تجعل القلب ينقبض والصدر يضيق، والنفس تتحشرج إذا رأت المنكر أو سمعت به، إنها النفس المؤمنة الصافية السامية، إنه القلب المؤمن المشرق الوضاء، الذي بمجرد سماعه أو رؤيته للمنكر تتحرك فيه المشاعر الإيمانية والغيرة الإسلامية، والحمية التي تدل على التشبث بهذا الدين والإتباع للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .. {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له}
تعظيم حرمات الله يشتمل على معنيين:
أي تعظيم ما له حرمة وتقديس أن ينتهك أو أن يجترأ عليه، فلا نقبل اجتراء وانتهاكاً لحرمة كتاب الله أو لحرمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لحرمة ما ثبت من شرع الله عز وجل من الأحكام القطعية الدالة عليها آيات كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
ومثل ذلك في المعنى أيضا أن يكون هناك الغضب لوقوع تلك المنكرات والمعاصي سواء كانت اجتراء على المعظم المحرم، أو كانت ارتكابا للمعصية والحرام .
قال السعدي في تفسيره { حرمات الله } :"كل ماله حرمة وأمر باحترامه ولذلك قال تعظيمها إجلالها بالقلب ومحبتها وتكميل العبودية فيها غير متهاون ولا متكاسل ولا متثاقل".
وقال ابن كثير رحمه الله:"ومن يجتنب معاصيه ومحارمه ويكون ارتكابها عظيما في نفسه فهو خير له عند ربه".
تلك هي الغيرة الإيمانية .. ويعضد ذلك ما جاء في سياق الآيات نفسها بعد آيتين: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}
دليل القلب التقي النقي أنه يغضب إذا انتهكت محارم الله، وذلك ما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه ) رواه البخاري .
وفي رواية مسلم ( إن الله يغار وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله ) .
وهذه مهمة عظيمة، لا يمكن أن ننبعث إلى إنكار المنكر وقلوبنا غير منكرة له، ونفوسنا غير متبرمة به، وحزننا غير مخالط لنا لما لهذا المنكر من اعتداء على حرمة الله، أو مخالفة لأمر الله أو مضادة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وانتبهوا إلى هذه الصورة التي يذكرها لنا ابن القيم رحمه الله ؛ لأنها صورة خطيرة من وجدت فيه دلت على ضعف إيمانه وزعزعة يقينه وعلى ذهاب الدلالات الواضحة على حياة قلبه، قال رحمه الله:"وأي دين وأي خير يرجى فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع، ودينه يترك وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان"ثم قال:"وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت مآكلهم ورئاساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين - ثم ذكر الأمر الخطير الذي لا بدلنا من الانتباه له - وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون ؛وهي موت القلب ؛ فإن القلب كلما كانت حياته أتمّ كان غضبه لله ولرسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل".
مقياس تعرف بها نفسك .. هل تغضب لحرمات الله المنتهكة وللمعاصي المنتشرة، أم أنه لا يضرك شيئ من ذلك، ولا تلتفت إليه ولا يسوئك في قليل أو كثير، لكن كما قال هو في مقالته: إذا أخذ شيء من مالك أو اعتدي على شيء من حظ دنياك، غضبت وأرغبت وأزبدت وقمت وانتصرت بكل ما بيدك من وسيلة .
فأول أمر لا بد من أن نحرص على وجود فينا: استشعارنا لعظمة وأهمية وضخامة دلالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان والغيرة والحمية الإيمانية ؛ فإن أحييناها وأشعلنا جذوتها وجعلناها حية في قلوبنا جارية مع دماءنا في عروقنا جائلة ، في خواطر عقولنا حاضرة ، في كلمات ألسنتنا فحينئذ تكون البداية الصحيحة التي تدفع إلى إنكار المنكر .