فهرس الكتاب

الصفحة 6618 من 9994

#لمحات تاريخية من حياة ابن تيمية (2)

بقلم الطالب: صالح بن سعيد بن هلابي

لا بد للدارس لحياة ابن تيمية من معرفة الأحوال الفكرية والاجتماعية والسياسية في عصره حتى يأخذ وينظر من خلال تلك الحالة إلى حياة ذلك الإمام العظيم، فقد كان عصره وهو القرن السابع والثامن الهجري يموج موجا بالأفكار الدخيلة على الأمة الإسلامية حيث تشعبت الأفكار واختلفت الآراء في كثير من المسائل الشرعية وخاصة مسائل العقيدة التي يبنى عليها أساس كل شيء.

فقد عاصر بن تيمية فرقا كثيرة من الفرق الإسلامية التي شطحت وابتعدت عن الحق ونابذت أهل الحق في كثير من المسائل الأصولية.

وأكثرها امتدت جذورها إلى دينات أخرى من نصرانية ويهودية ووثنية جاء الإسلام على إنقاذها أو إبطالها من أساسها فمن شيعة إمامية على اختلاف مشاربها وتباعد ديارها، ومن رافضة غلاة أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي ومن معتزلة فلسفية حكمت العقل وحده، ومن جبرية مستسلمة يقولون إن الإنسان لا إرادة له وأنه كالريشة في مهب الرياح تصرفه كيف يشاء..

و من منتسبة للأشعري آمنت ببعض الصفات وأنكرت بعضها أو أولتها ونصبت نفسها الفرقة الوحيدة التي تمثل أهل السنة والجماعة.

كل هذه الأفكار والفرق عاش ابن تيمية كل حياته في خضمها يجاهد بقلمه ولسانه ويدافع عن جوهر العقيدة الإسلامية دفاع المستميت المتفاني في سبيلها، فقد كتب عن الشيعة والروافض كتابا ضخما عظيما في أربع مجلدات سماه (( منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية ) )وهو رد على كتاب (( منهاج الكرامة ) )لمؤلفه ابن مطهر الحلي الشيعي المتوفى سنة 726هـ وقد كتب ابن مطهر كتابه هذا بصفة خاصة إلى الملك (الجايتو خدابنده) وهو أحد الملوك الإيلخانية ومن أحفاد الملك (( جنكير خان ) )يدعوه فيه إلى مذهب الشيعة الإمامية.

و قد تناول ابن تيمية فيه أصول مذهبهم وتصدى للتفصيل والبسط فيه بعقلية جبارة مؤمنة يعرف كيف يضع النقاط على الحروف ويضرب على المحز من حيث لا يشعرون فرد مذهبهم إلى جذوره الأصيلة التي يبنون عليها فقد كان بحق نقض كلامهم وتهافتهم في كل باب يفتحونه على أنفسهم ولا يستطيعون إغلاقه..

ابن تيمية والصوفية الفلسفية:

تطورت فكرة التصوف والصوفية في عهد ابن تيمية إلى أفكار خبيثة تهدم الإسلام هدما صريحا وتقيم وثنية فلسفية باسم الزهد والولاية والكرامة فقد تحول مفهوم التصوف الدال على الصفاء وتزكية النفس - وإن كان أصل الاسم من أساسه خطأ - تحول هذا مفهوم إلى المفهوم آخر وهو القول بوحدة الوجود أو بمعنى آخر حلول الله في بعض مخلوقاته - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وقد تزعم هذا القول وأعلنه في كتبه العديدة ومن أشهرها كتاباه (( الفتوحات المكية ) )و (( فصوص الحكم ) )ذلك الملحد الخبيث أبو بكر محي الدين بن عربي الطائي الأندلسي ومن أقواله الكافرة:

الرب حق والعبد حق

يا ليت شعري من المكلف؟؟

إن قلت عبد فذلك رب

أو قلت رب أنى يكلف؟؟

فسر هذا الكلام عند أتباعه الذين يتبعونه وهم لا يدركون حقيقته بأن فيه رموزا وإشارات لا يدركها أهل الشرع، وإنما هي للخواص وخواص الخواص، وأصبح له أتباع في ذلك العصر وهم الذين لا يدركون حقيقة هذا الكفر، ثم جاء من بعده ابن الفارض يفلسف مذهب الحلول على رأيه ويدعي الألوهية في بعض الأحيان.

ومن أقواله الكافرة:

لها صلواتي في المقام أقيمها

وأشهد فيها أنها لي صلت

كلانا مصل واحد ناظر إلى

حقيقته بالجمع في كل سجدة

و ما كان لي صلى سواي ولم تكن

صلاتي لغيري في أداء كل ركعة

رأى ابن تيمية هذا الكفر البواح ودعوى الألوهية والتفكير الفلسفي الوثني الذي ما كان خطر ببال أحد من المشركين والوثنيين الجاهليين في الجاهلية الأولى بل كانوا مع عبادتهم لغير الله تعالى يؤمنون بأن الله رب السماوات والأرض وأنه هو الرزاق الخالق فهذا زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي يقول:

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم

ليخفى ومهما يكتم يعلم

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر

ليوم الحساب أو يعجل فينقم

و هو القائل:

وأعلم علم اليوم والأمس قبله

ولكنني عن علم ما في غد عم

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب

تمته ومن تخطي يعمر فيهرم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت