نعوذ بالله من الكفر والضلال. فهل يشك عاقل في حقيقة هذا الرجل وحقيقة دولته الباطنية، وهل يمكن أن يقال: إن دوافع إحداث هذه الموالد كان محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته آل بيته ومن قِبَلِ مَنْ؟! من قبل قوم كانوا يظهرون محبة آل البيت ويبطنون العقائد الفاسدة، ويمالئون أهل الكفر على أهل الإسلام، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) ) ( فاطر: 8 )
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ...
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى ، وأحمده وأشكره وأتوب إليه وأستغفره ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين .
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ، والتزموا سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وإياكم والمحدثات ؛ فإنها تباعد ين العبد وربه ، وتؤدي إلى ترك السنن ، وهي من أسباب سوء الخاتمة (( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) ( آل عمران: 31 )
أيها المؤمنون: لم يكتف مشائخ الضلالة بجر الناس إلى هذه البدعة المنكرة؛ بل حاولوا إقناعهم بأن الأمة كانت تحتفل بذلك على مر العصور، وأن هذه الموالد لم تنكرها إلا فئة محدودة من العلماء ينعتونهم: بالوهابيين، وهذا من أوضح الكذب والافتراء؛ إذ إن علماء كثر من مصر والعراق والشام والمغرب وسائر الأمصار أنكروا هذه البدعة، وشنعوا على أهلها . وحصر المنكرين لهذه البدعة في علماء الجزيرة العربية مقصود؛ لأجل إبطال الحق بإخفاء أنصاره، وإظهار الباطل بتكثير أتباعه .
وأوفى كتاب ألف في تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي كتبه أحد المتحمسين لهذه البدعة، الناشرين لها، المحتفين بها، ذلكم هو المؤرخ المصري: حسن السندوبي ، ومع اهتمامه بتلك البدعة، وتأييده لها؛ فإنه اعترف في كتابه بأنها من المحدثات في الدين . وقال في كتابه ) تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي ) ما نصه:"وهنا يجمل بي أن أقول: إن هذه المواسم والأعياد والموالد وما شاكلها وجرى في سبيلها إنما تعد من البدع التي لم يأذن بها الله، ولا ورد منها ما يشير إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بها، أو أشار إليها، أو باشرها في قول أو فعل حاشا عيدي الأضحى والفطر وكذلك لم يعرفها الصحابة على طبقاتهم، ولم يشهدها أحد من التابعين على درجاتهم، ولم ينوه بها أحد من الأئمة المجتهدين الذين ضبطوا أصول الشريعة، وحرروا فروعها، وبينوا مدلولاتها".
ثم ذكر بعد ذلك أن الواقع فرضها بإحداث الفاطميين لها، وأنه يؤيدها من باب ضغط الواقع ليس إلا .. وهو ما قال هذا الكلام إلا بعد أن بحث ونقب في كتب التاريخ والآثار والفقه لعله يعثر على ما يدل على وجودها في الصدر الأول من الإسلام، فلما لم يعثر على شيء من ذلك بعد طول بحث وتنقيب اعترف بهذه الحقيقة المهمة .
إن هذه الاحتفالات لا تنفع الإسلام شيئًا؛ بل ضررها ظاهر على المسلمين، وأكبر دليل على ذلك دعم الكفار والمنافقين لها بقصد هدم الشريعة، وتغيير معالم الملة، وتشويه صورة الإسلام، وحصره في مظاهر أولئك الدراويش الذين يتراقصون ويتمايلون في احتفالات المولد، ويوضح حقيقة ذلك ما ذكره المؤرخ الجبرتي في أخبار مصر من أن القائد الفرنسي نابليون إبان استعماره لمصر أمر الشيخ البكري بإقامة الاحتفال بالمولد، وأعطاه ثلاثمائة ريال فرنسي لأجل ذلك، وأمره بتعليق الزينات؛ بل إن نابليون حضر المولد بنفسه، واحتفل به مع المسلمين !! .
وكثير من العلمانيين الذين رفضوا الشريعة، وحاربوا الإسلام بأقوالهم وأقلامهم يحضرون تلك الاحتفالات ويشجعونها؛ فلولا أنها من سبل هدم الديانة في قلوب الناس لما فعلوا ذلك، ولما فعله المستعمر النصراني الحاقد نابليون.
أيها الأخوة: فإن ما يعرض حيال هذا الموضوع ليكشف حقيقة الحياد والموضوعية التي تتشدق بها كثير من القنوات الإعلامية، ولن يتضرر الإسلام بذلك؛ لأن الله تعالى قد تكفّل بحفظه؛ لكن الجهلة المتلقين عن هذه القنوات هم من سيتضرر بهذا الطرح الخبيث ألا فاتقوا الله ربكم ، واحفظوا بيوتكم وأولادكم من وسائل الشبهات ، والشهوات ، وأسباب الضلال والفساد ، وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) ) (آل عمران102) .
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) .
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:17،70) .
أما بعد: فإن خير الكلام كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار0
أيها الناس:
فارق النبي- صلى الله عليه وسلم- أمته يوم فارقها وقد علمهم كل ما يحتاجون إلى معرفته، فأخبرهم بما ينفعهم ليبادروا إليه، وبما يضرهم ليحذروا منه، وأخبرهم بما يكون بين يدي الساعة من الأمور العظام، والحوادث الكبار، وفي هذا يقول أبو ذر- رضي الله عنه-: (( لقد تركنا محمد صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما ) )رواه أحمد.
ومما أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- عن وقوعه بين يدي الساعة: كثرة المال في أيدي الناس، وفشوا التجارة، وما ينتج عن ذلك من تقارب الأسواق، والتطاول في البنيان، والتفاخر بالأموال؛ ولذلك أمر عليه الصلاة والسلام بالصدقة مادام المتصدق يجد حاجة في الناس قبل أن تسد حاجتهم فلا يجد المتصدق لها موضعا، روى حارثة بن وهب- رضي الله عنه- فقال: سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: (( تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها يقول الرجل: لو جئتَ بها بالأمس لقبلتها فأما اليوم فلا حاجة لي بها ) )رواه البخاري
وسبب ذلك فيض المال في أيدي الناس، وهذا يقع قرب الساعة كما في حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (( لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يُهِمَّ ربَ المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أَرَب لي ) )متفق عليه .