فهرس الكتاب

الصفحة 9695 من 9994

أيها المؤمنون ! إن من وسائل رد كيد عدوكم وإفساد سعيه في إضلالكم الاستعاذة بالله العظيم ذي الوجه الكريم والسلطان العظيم من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ?وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ? (12) وهذه الاستعاذة التي تتردد على ألسنتنا هي طلب العوذ من الله تعالى أي طلب الامتناع بالله والاعتصام به والالتجاء إليه من شر كل ذي شر قال ابن كثير رحمه الله:"ومعنى قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أي أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم لا يضرني في ديني ودنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به أو يحثني على فعل ما نهيت عنه فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله"لذلك أنزل الله علينا في كتابه سورتين خاصتين بطلب الحفظ من كيده وشر عداوته: سورة الفلق وسورة الناس قال ابن القيم رحمه الله:"والناس محتاجون إلى هاتين السورتين".

ولذا فإن الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما تتضمن الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان وشره فاحرصوا بارك الله فيكم على الاستعاذة بالله من هذا العدو المبين فإنه لا حول ولا قوة لنا إلا بالله العظيم قال الشاعر:

العبد في كنف الإله وحفظه من كل شيطان غوي ساه

إن عاذ بالرحمن عند صباحه وكذاك إن أمسى بذكر الله

فنعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه.

الخطبة الثانية

أمابعد. .

فإن مما يرد عنكم كيد الشيطان ويبطل عمله كثرة ذكر الله تعالى فإن ذكر الله تعالى دواء لكل داء:

إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس

فذكر الله تعالى من أعظم أسباب دفع تسلط الشياطين فإن الشيطان يخنس عند ذكر الله تعالى ويتضاءل ويضمحل بل يهرب وينهزم فذكر الله تعالى أثقل شيء على عدوه فهو الحرز المتين و الحصن الحصين الذي يحفظ به العبد نفسه من الشيطان الرجيم ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك ) ) (13) . فإذا قل نصيبك يا عبد الله من ذكر الله تسلط عليك إبليس بالوساوس وأجلب عليك بخيله ورجله وزين لك المعاصي والموبقات وزهدك في الطاعة والقربات ولذا فإن ذكر الله تعالى من أعظم المنجيات فأكثروا عباد الله من ذكر الله تعالى كما أمركم الله بذلك، حيث قال: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً? (14) فأكثروا من ذكر الله لاسيما تلاوة القرآن فإنه من أشد الأشياء على الشيطان ففي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تجعلوا بيوتكم قبوراً فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ) ) (15) وفي الصحيح أيضاً في قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان أن عدو الله قال له: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت: وما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة لما أخبره: (( أما إنه قد صدقك وهو كذوب ) ) (16) .

أيها المؤمنون إن من أسباب النجاة من الشيطان وكيده معرفة خطواته ومداخله، فإن الله تعالى قد نهى المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان كما قال الله تعالى: ?ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين? (17) ولا يتمكن العبد من اجتناب خطوات الشيطان إلا بمعرفتها فصارت معرفة خطواته واجبة على كل مسلم فإنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وقد بين الله تعالى خطواته حيث قال: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ? (18) فكل فحشاء وكل منكر فهي من خطواته وأعماله.

أيها المؤمنون هذه بعض الوسائل التي ذكرها الله تعالى لمواجهة هذا العدو المارد فاحرصوا عليها واستزيدوا منها أعاننا الله وإياكم على ذلك.

(1) الأنعام: آية (112) .

(2) مدارج السالكين: 1/249.

(3) المجادلة: آية (19) .

(4) الأعراف: آية (16 ـ 17) .

(5) ص: آية: (82) .

(6) فاطر: آية ( 6) .

(7) فاطر: آية ( 6) .

(8) مريم: آية (44 ـ45) .

(9) مدارج السالكين: 1/137.

(10) الإسراء: آية ( 65) .

(11) النحل: آية (99) .

(12) فصلت: آية (36) .

(13) البخاري ( 3293 ) ، ومسلم ( 2691) .

(14) الأحزاب: آية (41) .

(15) مسلم ( 780) .

(16) البخاري ( بدون ) كتاب: الوكالة ، باب: إذا وكل رجلاً فترك الوكيل شيئاً فأجازه.

(17) البخاري (5010) .

(18) النور: آية (21) .

الخطبة الأولى

أما بعد...

أيها الإخوة الكرام غداً القريب يبدأ عام دراسي جديد تفتح فيه دور التعليم أبوابها وتستقبل روادها من الطلاب والدارسين ذكوراً وإناثاً ليتعلموا العلوم والمعارف بشتى صنوفها وفروعها الدينية والدنيوية ولا يخفى أن ذلك يكلف كثيراً من الدول والأمم أموالاً طائلة وجهوداً مضنية وأوقاتاً طويلة فمن الجدير بنا مع إشراقة شمس هذا العام الدراسي الجديد أن نسأل أنفسنا طلاباً ومعلمين لماذا كل هذه الجهود المسخرة والأموال المبذولة في التربية والتعليم؟ وفي الجواب على هذا السؤال نقول: إن العلوم التي يتلقاها الطلاب في جميع مراحل دراستهم نوعان:

الأول: علوم دينية وشرعية بها يعرف العبد ربه ومولاه فيعرف الله تعالى وما يجب له من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ويعرف بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وحقوقه، ويعرف ما يحتاجه من الأحكام الشرعية كأحكام الطهارة والزكاة والصيام والحج والمعاملات وغير ذلك. وهذا القسط من العلم واجب على كل مسلم ومسلمة إذ حاجة الناس إلى العلوم الشرعية فوق كل حاجة وهذا النوع من العلم هو الذي جاءت النصوص الشرعية بإيجابه والحث عليه وبيان فضله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت