د. علي بن عمر بادحدح
المحتويات:
• المقدمة .
• الوقفة الأولى: إعلان النصر قبل المعركة .
• الوقفة الثانية: مواقف حاسمة في تاريخ الأمة .
• الوقفة الثالثة: مفاصل في تاريخ الأمة المسلمة .
المقدمة
هذا الموضوع يسلط الضوء على المواقع الفاصلة ، والأحداث الكبرى في بعض مراحل تاريخ الأمة المسلمة ، والله - سبحانه وتعالى - قد قصّ علينا قصص السابقين ، وساق لنا قصص الأنبياء والمرسلين ، لنتدبر فيها ونستقي منها العبرة ، ونقرأ بين سطورها وفي ثنايا الدروس التي كتبها الله - سبحانه وتعالى - في قواعد محكمة .. { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } .. { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } .
وكما قضى الله - سبحانه وتعالى - بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين ، وكما قضت حكمته أن قطع على نفسه الوعد بأنه يدافع عن الذين آمنوا ، وربط الشرط بالمشروط .. { إن تنصروا الله ينصركم } .
غاية الأمر أننا نريد أن نسلط الضوء لنقرأ فيما وراء الأحداث ، ولنتأمل في الأمور التي قد لا يكترث الناس بها ، ولا تخلد في أذهانهم ولا تبقى في عقولهم ..
اقرأ التاريخ إذ فيه العبر *** ضاع قوم ليس يدرون الخبر
إن أمة لا تقرأ تاريخها لا يمكن أن تعرف حاضرها ولا أن تخطط لمستقبلها ، قال تعالى: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى }
هذه الدنيا كلها بما فيها من الأحداث درس وعبرة ، يظهر للمؤمن فيها قدر الله - عز وجل - النافذ وحكمته البالغة ومشيئته التي لا يردها شيء، وكذلك تظهر من خلالها الصورة الحقيقة لأسباب النصر، والصورة الحقيقية لأسباب الهزيمة .
الوقفة الأولى: إعلان النصر قبل المعركة
شاهت الوجوه واتضحت مصارع
معلوم أن الانتصار لا يعلن قبل اللقاء ، وأنه في المعارك المهمة يبقى الجزم بالنصر والجولة الأخيرة حتى اللحظات الأخيرة غير معروف ، لكن سنأخذ ومضات سريعة نرى فيها أن النصر أعلن قبل بدء المعركة في كثير من الأوقات ، وذلك بسبب أن الذي جزم بهذا النصر قبل اللقاء قد استحضر أموراً معينة ، ورأى الأسباب مهيأة ، وعرف حقائق إيمانية لا تزول ولا تتغير فجزم بذلك ، في أول يوم من أيام الله - عز وجل - في يوم الفرقان .. يوم بدر الأغر لما قضى الله - عز وجل - أن يلتقي محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام الميامين بكفار قريش ولم يكونوا قد تهيؤا لذلك .
عندما صُفَّت الصفوف وتعين اللقاء ، ماذا صنع الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ توجه إلى الله عز وجل، وهو يناشد ربه ويسأل مولاه، ويلحف في المسألة ويلح في الدعاء، ويقول: ( اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً .. اللهم هذه قريش قد جاءت بعودها ومطافيلها .. ) ويلحّ - عليه الصلاة والسلام - ( اللهم نصراً كالذي وعدتني ) حتى يسقط الرداء من على كتفه الشريف ، ويأتي أبو بكر ويقول:"حسبك يا رسول الله ؛ فإن الله منجز لك ما وعد".. يكفي هذا الدعاء وهذا ا لإلحاح ، ثم نجد بعد الدعاء والإلحاح والإلحاف اليقين بالإجابة ، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بحفنة من الحصى ورمى بها في جهة الكفار ، وقال: ( شاهت الوجوه ) ، ثم قال: ( والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم هذا مصرع عقبة بن أبي معيط .. هذا مصرع أبي جهل .. هذا مصرع أمية بن خلف .. ) ويعين مواقع مقاتلهم .
كما قال الرواة في السير فما أخطأ واحد منهم ما أشار، لقد تيقن - عليه الصلاة والسلام - بالنصر ؛ لأنه كان يعلم من أصحابه قلوباً مؤمنة بالله ، وجباهاً ساجدة له سبحانه وتعالى ، وصفَّاً موطد العرى بالمحبة والألفة في الله عز وجل ، فتحققت أسباب النصر ، فأعلنه - عليه الصلاة والسلام - قبل بدء المعركة .
أبشروا إذ زاغت الأبصار
وفي موقف أكثر شدة وضراوة وقسوة على المسلمين ، اجتمع فيه عليهم شدة البرد مع شدة الجوع مع شدة الخوف مع كثرة العدو مع خيانة الذي كان نصيراً .. في يوم الأحزاب الذي وصفه الله - عز وجل - وصفاً عجيباً حيث قال سبحانه وتعالى: { إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً } .