فهرس الكتاب

الصفحة 7949 من 9994

إنهم يريدون مجالات أوسع للاختلاط والخلوة، ونشر السوء والرذيلة، والقضاء على العفاف والفضيلة ، وإزاحة القيود الدينية والأخلاقية التي تقيدهم في ذلك، وتعيقهم عن تنفيذ مشاريعهم التخريبية في المجتمع التي يسمونها زورا وبهتانا بالمشاريع التقدمية، وحجتهم التي ملَّ الناس تكرارها: أن العالم سبقنا ولا زلنا نتأخر، ولا تقدم في مفهومهم إلا بالفساد والإفساد ، ولقد حرموا نساء كثيرات من العمل لأنهن لم يجدن إلا مجالات ملوثة بالاختلاط والسفور.

وفي الوقت الذي ثبت فيه للعالم بشرقه وغربه ما خلفه اختلاط الرجال بالنساء من مشكلات لا علاج لها إلا بالفصل بين الجنسين لا يزال كثير ممن هم في غيهم يعمهون يصرون على المكابرة والإفساد ؛ ففي أمريكا التي يحتذونها في التقدم والقوة والصناعة صرح رئيسها بوش بلزوم فصل الطلاب عن الطالبات في الدراسة بعد أن أثبتت الدراسات التربوية أن اختلاط الجنسين أدى إلى ضعف التحصيل في الدراسة.

وفي دول الاتحاد الأوربي صدرت دراسات ميدانية وأبحاث جادة تثبت أن أعظم وبال منيت به الحضارة المعاصرة هو اختلاط الرجال بالنساء.

وفي الشرق الوثني عملوا على الفصل بين الرجال والنساء في الحافلات والقطارات بسبب كثرة شكاية النساء من تحرش الرجال بهن.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين .

أما بعد أيها المسلمون: كل هذا - وغيره كثير - يثبت ما تنعم به بلادنا- ولله الحمد - من خير عظيم بالفصل بين الجنسين في الدراسة والعمل، ولكن فئاما من بني قومنا من المنافقين والشهوانيين لا يزالون على ما هم عليه من أفكار قديمة متخلفة تلقوها قبل خمسين سنة، فاستقرت في عقولهم ، وتغير العالم ولم تتغير عقولهم بعد ، بل شابوا على ضلالهم وسفاهتهم، ولا حيلة في سفه الشيخ؛ إذ لا حلم بعده.

يشتكون من الاستبداد ويمارسونه:حين تعقد المؤتمرات والمنتديات الفكرية التي تعنى بشأن المرأة لا يرشحون لها من يمثل نساء المجتمع من النساء المتعلمات المهذبات، وإنما يعمدون إلى عجائز ليبراليات أضعن أعمارهن في الأفكار الضائعة، وشربن من المستنقعات الآسنة حتى ثملن، ولا يعرفن عن مجتمعات المسلمين إلا أقل القليل، فيطالبن بما يعارض شرع الله تعالى، ويرفضه الكثرة الكاثرة من نساء ورجال المجتمع المسلم، في الوقت الذي تشتكي فيه هذه الفصيلة من المخلوقات من تأخر ثقافة الحوار، وعدم قبول الآخر، وهم وهن لا يحاورون إلا أنفسهم ولا يقبلون إلا من كان على شاكلتهم، فأي حوار يدعون إليه ؟! وأي آخر يقبلونه ؟!

إنهم فئة قليلة في الناس لا تمثل إلا نفسها ومع ذلك يريدون خرق سفينة المجتمع وإغراقه في لجج من الرذائل والشهوات المحرمة لا عافية منها، وما البلاد الإسلامية التي سبقت إلى إفساد المرأة وتحريرها من قيود الدين والأخلاق إلا أمثلة شاهدة على ما يريد هؤلاء المفسدون والشهوانيون أن يوصلوا مجتمعنا ونساءنا إليه، وواجب على كل مسلم أن يجاهدهم بما يستطيع من فضح مخططاتهم، وكشف عوراتهم، وتحذير المسلمين من خطر أفكارهم وطروحاتهم، مع تحصين نساء المسلمين وفتياتهم من أفكارهم الضالة التي يزورونها بزخرف القول، ويروجونها بشعارات براقة تنطلي على كثير ممن لا يعرف حقيقتهم، وحقيقة ما يدعون إليه من فساد وانحلال ، ولا أجد وصفا أدق فيهم من أنهم: دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوها فيها، أسأل الله تعالى أن يكفي المسلمين شرورهم، وأن يحبط كيدهم، وأن يريهم ما يسوؤهم من تمسك المسلمين رجالا ونساء، وفتيات وفتيانا بتعاليم دينهم، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

[1] العقل وفضله لابن أبي الدنيا35

[2] والأقوال0تفسير ابن كثير4\508 .

العِلْم وفضله وآدابه

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، له الحمد على نعمه الظاهرة والباطنة علمنا بعد الجهل وجعل لنا سمعنا وأبصاراً: (( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ) (النحل: 78) .

وأشهد أن لا إله إلا الله ـ وحده لا شريك له هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيءٍ عليم لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بيده الضَرُ والنفع ، والخفضُ والرفع ، وبيده الملك ومقاليدُ السماوات والأرض وهو عليمٌ بذات الصدور.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أزكى البرية، ومُعَلِّمُ الإنسانية ختم الله به النبوةَ والرسالة ، وأعطاه الحوض والكوثَر والشفاعة صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله وأصحابه وجميع السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان .

ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:

فيا أيها الأخوة المسلمون: اتقوا الله - عز وجل - وأخشوه سبحانه فإن هذا هو الفوز والفلاح وهو العلم والنجاة ، بالخشية والتقوى يحصل الرزق والفرج ، وتكفيرُ السيئات ورفع الدرجات .

أيها المسلمون:

إن أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب ونال بها العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان ولهذا قرن الله سبحانه بينهما في قوله: (( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) ) (الروم:56) .

وقوله: (( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ) (المجادلة:11) (الفوائد لأبن القيم ص 138) .

إن العلم إمام العمل وقائد له والعمل تابع للعلم ومؤتم به فكل عملٍ لا يكون خلف العلم مقتدياً به

فهو غير نافع لصاحبه بل مضرة عليه كما قال بعض السلف:

من عبد الله بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلح (أ.هـ مفتاح دار السعادة) .

ولقد أخبر الله سبحانه بأن العلم النافع سبب لخشيته سبحانه فقال جَلَّ ذكره: (( ِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) ) (فاطر: 28) .

فأهل العلم العاملين هم أكثر الناس خشية لله وتعظيماً له وهذه هي ثمرة العلم والفقه.

قال مجاهد رحمه الله: (الفقيه مَنْ يخاف الله عز وجل) .

نعم(فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال ولكنه نور يَقذف في القلب يفهم به العبدَ الحق

ويميز به بينه وبين الباطل) ( فضل علم السلف) .

وقال سفيان الثوري - رحمه الله -: ليس طلب العلم فلان عن فلان إنما طلب العلم الخشية لله عز وجل، وقال أيضاً: إنما يطلب العلم ليتقى الله به فمن ثم فُضِّلَ. فلولا ذلك لكان كسائر الأشياء، إن العلم إن لم ينفعك ضرك) (الحلية)

إنه لا شيئاً أفضل من طلب العلم وتعليمه لمن خلصت نيته لله وصلح قصده.

أما من تعلم العلم للريا والمفاخرة والوصول إلى المناصب وأكل الأموال والتطاول على الناس فهو متوعّد بوعيد مناسب لقصره السئ .

روى أبو داود وأبن ماجه عنه صلى الله عليه وسلم قال: (( من تعلّم علماً مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) ) [1] يعني ريحها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت