قال أحدُ الدعاة: كنتُ في رحلةٍ دعويةٍ إلى بنجلاديش مع فريقٍ طبي، أقام مخيماً لعلاجِ أمراضِ العيون، فتقدمَ إلى الطبيبِ شيخٌ وقورٌ ومعه زوجته، بترددٍ وارتباك، ولما أرادَ الطبيبُ المعالج أن يقتربَ منها، فإذا بها تبكي وترتجفُ من الخوف، فظن الطبيبُ أنَّها تتألم من المرض، فسأل زوجها عن ذلك فقال: وهو يغالبُ دموعه: إنَّها لا تبكي من الألم، بل تبكي لأنَّها ستضطر أن تكشفَ وجهها لرجلٍ أجنبي، لم تنم ليلةَ البارحةِ من القلقِ والارتباك، وكانت تُعاتبُني كثيراً أو ترضى لي أن أكشف وجهي، وما قبلت أن تأتي للعلاجِ إلاَّ بعد أن أقسمتُ لها أيماناً مغلظةً بأن الله تعالى أباحَ لها ذلك عند الاضطرار، (( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ) ).
فلما اقتربَ منها الطبيبُ نفرت منهُ، ثم قالت: هل أنتَ مسلم، قال نعم والحمد لله، قالت: إن كنت مسلماً فأسألُكَ بالله ألا تهتك ستري إلا إذا كُنتَ تعلمُ يقيناً أن الله أباحَ لك ذلك.
أجريت لها العملية بنجاح، وعادَ إليها بصرها بفضلِ الله تعالى، حدثَ عنها زوجها أنَّها قالت، لولا اثنتانِ لأحببتُ أن أصبرَ على حالي ولا يمسني رجلٌ أجنبي، قراءة القرآن وخدمتي لك ولأولادك .
ما أعظمَ شموع المرأةِ المسلمةِ بعزتها وعفافها، وما أجملَ أن ترى المرأة مصونةً فخورةً بحشمتها .
أكرم به من إيمانٍ يتجلى في صورةٍ عمليةٍ صادقة، بعيدةٍ عن التكلفِ أو التنطع، سالمةً من الرياءِ وشوائبِ الهوى، كانت أريد أن أنهي حديثي عن هذهِ الصورِ الورديةِ، والمواقفَ الإيجابية، لكنني وجدتُ نفسي تنسلُ من جنةِ الصورِ الرائعة، لتعيشَ في واقعِ المواقفِ الماتعة، وبتُّ أتساءلُ في قرارة نفسي، يا ترى أينَ هذه المواقفُ من حالِ بعضِ نسائنا اليوم، وما يحدثُ في الأسواقِ والحدائقِ والمدنِ الترفيهية، تبرجٌ وسفور، تكسرٌ في الكلام، خضوعٌ في القول، ممازحةً ومضاحكةً للرجال.
أنها فعلت نساؤنا في افتتاح أسواقٍ لا ناقة لهنَّ فيها ولا جمل، هناك تجمعن لا لشيءٍ إلا فضولاً وعبثاً، هناك زاحمن الرجال، وتعرضنَ لكلِّ لامس، وصافحنَ آخرين، وكشفن عن الوجوه، وانطلقت حناجرُهنَّ بالصخبِ والضجيج، هُناك تَزلزلَ جبلُ الحياءِ، وانفرطَ حبلُ الفضيلة، لأنَّ من أتى بهنّ أشباهَ رجالٍ ولا رجال .
فيا ليتهم إذ لا غيرةَ إسلامية أن يكونَ عندهم حميةً عربيةً جاهلية .
إنَّ هذه الصورُ الرائعةِ لنساءِ سلفنا وخلفنا، من أولئك النساءِ اللواتي كسرنَ طوقَ الحياء، وأسلمنَ أنفسَهُنَ لدعاةِ الرذيلةِ وأدعياءِ المدنية، وأصبحنَ يلهثنَ وراءَ شهوتهنَّ، ويتبارينَ في التفسخ والانحلالِ، من خلالِ أزياءٍ تسلبُ كلَّ معالمَ الحياء .
ولكن يتفطرُ القلبُ أسى وحزناً على أولئكَ الفتيات الظاهرات، اللاتي طاشت بهنّ الأهواء، وأسلمنَ أنفسهنّ بكلِّ غفلةٍ وبلاهة لكل ناعق .
أسئلةٌ أطرحها لكم يا معشر الأولياء، يا أهلَ القوامةِ، وعليكم أن تتحملوا مسؤوليةَ الجوابِ عنها عملاً ولا قولاً .
إنَّ المرأةَ سترها رمزُ حيائها وحجابها، دليلُ كرامتها، وإذا اختلَّ حياءُ المرأةِ تزلزلت قدماها، وعصفت بها الفتن، وليس عن سلبِ الحياءِ حياءٌ عن قبيح، ولا زاجرٌ عن محظور، فهو يقومُ على ما يشاء، ويأتي ما يهوي، إن من الواجبِ علينا أيُّها المسلمون أن نُربي أبنائنا وبناتنا منذُ الصغر على هذا الخُلق الأصيل، فإنَّ القصورَ إذا عدلتها اعتدلت ولا تلين إذا كانت من الخشب .
في مستهلِ حياة الطفل الصغير، يبرزُ خلقُ الحياءِ، ويأخذُ طريقهُ إلى النمو، وهنا تظهرُ أهميةَ المُربي في تنميةِ واستثمار الحياء.
قال الإمام الغزالي: ومهما رأى المربي في الصغر مخا يل التمييز، فينبغي أن يحسنَ مراقبتهِ، وأول ذلك ظهورُ وائل الحياء، فإنَّهُ إذا كان يحتشم ويستحي، ويترك بعض الأفعالِ فليسَ ذلك إلاَّ لإشراقِ نور العقل عليه، حتى يرى بعض الأشياء قبيحاً ومخالفاً للبعض، فصار يستحي من شيءٍ دون شيء، وهذه هدايةً من اللهِ تعالى إليه، وإشارةٌ تدل على اعتدالِ الأخلاقِ وصغار القلب، وهو مبشرٌ بكمال العقلِ عند البلوغ، فالصبيُّ المستحي لا ينبغي أن يهملَ بل يستعانُ على تأديبهِ بحيائهِ وتمييزه .
إنَّه لا يمكن للحياءِ أن يتأصلَ في نفس الصغير إلا بمراقبتهِ عن مخالطة السفهاء، أو سماع لغو الكلام، ثُمَّ أخذه بسير الصالحين ومجالستهم، تثبيتاً لدعائمِ هذه الفضيلةِ بحلولِ الصحبةِ المباركة، قال الغزالي: ويحفظ الصبي الأشعارَ التي فيها ذكرُ العشقِ وأهله، ويحفظُ من مخالفةِ الأدباءِ الذين يزعمون أنَّ ذلك من الظرفِ ورقةِ الطبع، فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد .
كم يخطئ الأب حين يدفع بولده باسم الحرية ليجالس من شاء، ويترك البنت تلبس ما تشاء، ويسمع من الأغاني الهابطة ما شاء، اعتماداً على قوة خُلقهم وثقتهم بأنفسهم، وتمر الأيام، وإذا بصورِ الخلاعةِ والمُجون والتفسخ، تتركُ آثارها في نفوسهم ليواجهوا الحياة بعد ذلك بإرادة خدمتها تلك الصور، وهذه الأغاني، وذاك اللباس .
ورب قبيحة ما حل بيني وبين ركوبها إلا الحياء
فكان هو الدواء لها ولكن إذا ذهبا لحياء فلا دواء
إن أخذ الناشئة من بنين وبنات بالفضيلةِ في مستهل حياتهم، تقوية مهم عليها، بحيث تصدرُ عنهم بلا تكلف، ومتى صارت الفضيلةُ أعادت لهم أزواء خُلقِ الحياء قوةً مع الأيام، وبقدر ما يكونُ التهاونُ، وإرخاءُ حبلِ الهزلِ تضعف هذه القوة، فيسير الناشئ من ضعفٍ إلى ضعف، تنحلُ به شخصيتهُ .
وإنَّما الصبرُ عند الصدمةِ الأولى، فإذا حققت الأسرةُ في هذا المضمار نجاحاً خفَّ حملها في المستقبل، لأنَّها قدمت من أمسها لغدها ومن حاضرها لمستقبلها .
وإنما الحياةُ بالحياءِ، والتوفيقُ من ربِّ الأرض والسماء.
اللهم صل على من بلغ الرسالة .
الحمد لله أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى ، وأشهد أن لا أله إلا الله وحده لا شريك له خلق كلَّ شيء فقدره تقديراً ، وأشهد أن محمداً عبُده ورسوله عزيزٌ عليه ما عنتنا ، حريصٌ علينا ، وهو بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وأرض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ) (سورة الحجرات: 13) .
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) ) (سورة النساء:1) .
يا أخا الإيمان تخيل نفسك زائراً لواحدٍ من معاهدِ الأمل أو دارٍ للمعاقين، فألفيتَ نفسك بين مجموعةٍ من البشر يعيشون في عالم يختلف - بعض الشيء - عن عالم الآخرين، فأحدُهم فاقدٌ للسمع أو للبصر أو لهما جميعاً، وآخرُ مشلولُ اليدين أو الرجلين أو كليهما، ومجموعةُ ثالثةٌ مصابةٌ بأمراضٍ مُزمنٍة، إن في الجسم أو في العقلِ أو بهما معاً .