إن هؤلاء وأولئك يستخدمون لغةً للتفاهم تختلف عن لغتنا، ومنهم من يمشون على الأرض بطريقةٍ غير طريقة مشينا، ومنهم من يُفكر بغير العقلية التي نُفكر فيها، وسبحان من أعطى كلَّ شيء خلقه ثم هدى، وسبحان من أودع نعماً عند قومٍ ونزعها من آخرين، ليبلوا هؤلاء وهؤلاء أيُهم أحسن عملاً ؟!.
ومن عجائب خلقِ الله!! أنك ربما أبصرت مُعاقاً يعمل وينتج أكثرَ مما يعملُ وينتج الصحيح المعافى !
وهنا نتحدثُ ونلفتُ النظر إلى معاقين ولكن من نوعٍ آخر، ولكن قبل ذلك أقول: إن المُعاق بفقدِ حاسةٍ أو عضوٍ، فذاك قدرٌ كوني وحسبُ هذا المعاق أن يصبَر ويحتسب، وألا تقعد به هذه الإعاقةُ عن المشاركة في مسرح الحياة، وكم من معاقٍ حفظ القرآن؟! وكم من معاقٍ يمارس الدعوةَ إلى الله؟! وكم من معاق يُتقنُ من المهارات والأعمال مالا يقدر عليه الأسوياء !
كم من مُعاقٍ يملك همةً عالية، ولم تقعد به إعاقتُه عن ممارستها، وربما حرّك بهمتِه وفاعليتِه همم الآخرين من الأسوياء!! وكم يشهد تاريُخنا الإسلامي في القديم والحديث على وجود عدد من النبلاء الأفذاذ، وإن فقدوا شيئاً من جوارحهم، أو لم تكتمل لهم قواهم، ومع ذلك أثروا وساهموا مساهماتٍ جليلةٍ في الجهادِ أو العلمِ أو مجالات أخرى .
صحيح أن الله قال: (( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) ) (سورة النور:61) .
ولكن هؤلاء لم يعذروا أنفسهم، فحمل الأعمى الراية في سبيل الله، وقال ابنُ أم مكتوم رضي الله عنه: (( ادفعوا إلي اللواء فإني أعمى لا أستطيع إن أفر وأقيموني بين الصفين ) ) ( ابن سعد في الطبقات ، الذهبي في السير 1 /364 ) .
وأصر عمرو بنُ الجموح- رضي الله عنه- وهو الشيخُ الكبير والأعرج المعذور، إلا أن يشارك في الجهاد، وأن يطأ بعرجته الجنة، فدخل المعركة وكان من بين شهداء المسلمين في أحد .
وجعفر أيضاً- رضي الله عنه- لم تقعد به الإعاقة عن مواصلة القيادة للمسلمين في (مؤتة) حتى إذا سقط في أرض المعركة شهيداً، على أثر قطع يديه ثم بتر جسمه، أعاضه الله عن تلك اليدين بجناحين يطير بهما في الجنة.
إنها الهمة حتى الموت، فهل قعدت الإعاقة بهؤلاء عن مشاركة المسلمين في الجهاد والدعوة، وإذا كانت تلك نماذج العطاء لمن عذروا ومن نسميهم نحن بالمعاقين، فلا تسأل عن عطاءات وتضحيات غيرهم، وهل نعيد النظر في مصطلح الإعاقة ومن هم المعاقون ؟
إذاً من هم المعاقون من نوعٍ آخر ؟ إنهم أولئك الذين أنعم الله عليهم بعطايا ونعمٍ لكنهم لم يستثمروها، إنهم معطلون لقواهم، أو صارفون لهذه الطاقات في غير محلها ، إنهم الكسالى والمحرومون، والعاجزون وأهل الأماني.
إنك حين تبصر شاباً يمتلئ حيويةً ونشاطاً، وتكتمل حواسه، ولم يُصبْ في عقله، لكنه كلٌّ على المجتمع ، لا يستفيد ولا يُفيد، لا يتعلم ولا يعمل، ليس سوياً في سلوكه، وأنى له أن يشارك في إصلاح الآخرين، إنه ليس في عملٍ للدنيا ولا في عبادة للآخرة، لم يستفد منه والداه وأهله، وأنى للمجتمع أن يستفيد منه .
شابٌ تلك بعض صفاته، أيطلق عليه سويٌ أم معاق ؟
إنه في نظري معاق، ولكن إعاقته من نوع آخر ؟
وحين ترى كهلاً بلغ من العٌمر عتياً لكن لا يحفظ من القرآن إلا نزراً، وقد لا يُحسن بعضهم قراءة الفائحة إلا تكسيراً، لا عجزاً ولكن تكاسلاً، هذا الكهل في عمره المديد ليست له همةٌ للمعالي، ولا يُعرف عنه أي مشاركةٍ في عمل خيرٍ أو دعوة ، وربما عاش دهره ولم يُضل نفسه ومن يعول ببيت يملكه، ليس فقراً ولا مرضاً ولكن ضعف همة وسوءَ تدبير، ماذا يقال عن مثل هذا ؟ أهو في عداد المعاقين أم الأسوياء، أين هذا من كهل يتحرك محمولاً ومشلولةٌ بعض أعضائه، ومع ذلك يُخيف الأعداء وينكأ بهم، سلاحه قلبٌ قوي، ولسان عقول، وهمةٌ عالية، وصبرٌ على تبعات الإعاقة ؟
وماذا يُقال عن امرأةٍ سويةٍ لكن همتها مصروفةٌ للموضة والإسراف في الزينة، تعيش عددٌ من النساء الكافرات لهدف تخدمه، وهذه المسكينة تنتهي أهدافها في حدود المطعم والملبس فهي فائقة في أنواع الطبخات، ومتابعةٌ للجديد في الملبوسات، إنها مكتملةٌ الحواس، لكنها لم تستثمر في العبودية الحقة، فقد تُأخر الصلاة عن وقتها، وقد تنام ملأ جفونها سحابة النهار وشطراً من الليل، وأسوأ من ذلك حين تستخدم شيئاً مما أنعم الله بها عليها في معصية الله، وأسوأ منه حين تفتن الآخرين أو الأخريات بسوء فعالِها ورديء أخلاقها ؟
أين هذه من امرأة بلغت بها الشيخوخة حداً تتكئ على عصاها حين تريد القيام لصلاتها، ومع ذلك فهي حافظةٌ للقرآن، ولها منه وردٌ في الصباح والمساء، محافظةٌ على السنن والأذكار، ولها نصيبُها من قيام الليل والصيام، تشعر بآلام المسلمين والمسلمات، ولذا تراها ترفع يديها بالدعاء لهم حين لا تملك شيئاً آخر تساعدهم به ، وهي تتفطر ألماً وحسرة حين ترى طائفةً من الفتيات يُضعن زهرةَ شبابهن في أمورٍ لا قيمة لها، وكأن لسانَ حالِها يقول يا ليتني كنت شابةً مثلكن لترين ما أصنع ؟
معاشر الشباب: كم نُسر حين نرى شاباً أو شابةً ملتزمين .
ولكن كم نتألم حين نرى الالتزام بصورةٍ مشوهةٍ لما أمر به الإسلامُ من أخلاق وآداب، وعلمٍ وعملٍ وذوقٍ وجمال، إنَّ الالتزام الحق ليس مظاهر فارغةً من مضمونها، ولا مجرد انتماءٍ أو ادعاءٍ، وكم يسؤ ك حين ترى ملتزماً سلبياً لا يعيش هموم أمتِه، ولا يُفكر في المساهمة في إصلاح مجتمعه ، وقد يرى حوله ثُلةً من الشباب المنحرف فلا يحدث نفسه بنصحهم ، وربما كان في طريقه إلى المسجدٍ مجموعةٌ من شباب الأرصفة أو مجموعةٌ من العمالة منهمكين في العمل - وقت الصلاة - فلا تراه يذكر هؤلاء وأولئك، وكم يسؤك كذلك أن تسمع عن هذا الشاب الملتزم أنه شعلةٌ من النشاط والخدمة مع زملائه، فإذا كان في البيت كان مثالاً للكسل والخمول، إنَّ دعاه والده لعملٍ أو قضاء حاجةً تبرم وتضايق، وإن قام بها قام مجاملاً كسولاً ومع إخوته وأخواته، نموذج لسوء الخلق، فهذا ينهره وذلك يضربه، والكلُ يفرح بخروجه من البيت ويتضايق حين يسمع بمجيئه، وأنى لهذا الشاب أن يقدم الدعوة لأهل بيته، ولو حاول وهو بهذه المثابة من الخلق فأنى لمن حوله أن يستجيب له، هو في خارج المنزل كثير الحديث عن أهمية التبكير للصلاة ، ولكن إذا نام في البيت كان شغل أهله في الأيقاظ، وربما قضى الصلاة كثيراً في المنزل، هو اجتماعي منطلق مع زملائه لكن مع شبابِ أسرته وعشيرته نموذجٌ للانطوائية والسلبية، فهل مثل هذا سوءٌ أو معوَّق ؟ وللحق فإن عدداً من الشباب والشابات الملتزمين والملتزمات يربئون بأنفسهم عن هذه الازدواجية، وفيهم نماذجٌ للذوق الرفيع والخلق الكريم في الأخلاق والمعاملة، ولكن الحديث هنا موجهٌ إلى فئةٍ من المعوقين لكن من نوع آخر، إنه حديث عن فئة محسوبة على الشباب الأخيار، لكن حياتَه وبرنامَجه وكلامَه وخُلقُه على خلاف ذلك، فهو عِبء على الدعوة، وخلل من الداخل، إنه معوق لنفسِه وعائقٌ لإخوانه .
عباد الله: