وثمة نوعٌ آخر من معوقين لكن من نوع آخر، إنه العالمُ أو طالبُ العلم الذي يحفظ كماً من النصوص، ويستظهر عدداً من الأدلة الشرعية ، ويعرف - أكثر من غيره - في الأحكام والآداب والأخلاق، ولكن لا يرفعُ بالعلم رأساً، فهو في ذاتِ نفسه مُقصرٌ أكثر من تقصير العوام والجهلة، ففي المسجد تراه في مؤخرة الصوف، وربما قضى الصلاة كثيراً، وربما اطلعت في بيته على عددٍ من المنكرات لا يرضاها من هو دونه في العلم والفقه، وإذا سألت عن نوع تعامله مع الآخرين قيل لك ما يسوء من الغلظة والفضاضة والطمع والشره، وهو مانعٌ لزكاة العلم فلا تراه في حلقةٍ يُعلم، ومن النصف أن يُقال أن عدداً ممن يحملون العلم ليس هذا شأنهم، ولكن الحديث تنبيهٌ عن فئةٍ معاقة وما بها في الحقيقة من إعاقة. ومحرومة وهي تمتلك ما تتجاوز به الحرمان والذكرى تنفع المؤمنين ، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ، والله الهادي والموفق إلى سواء السبيل.
اللهم انفعنا وانفع بنا .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أفاء على عباده من النعم ما يستوجب الشكر والعمل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فاوت في الهمم بين عباده، فهذا نشيط وذاك كسول، وهذا مُعطى وآخرُ محروم، وربُّك حكيمٌ عليم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله كان نموذجاً للعملِ الدؤوب ، والجدَّ والاجتهاد، وقد أوصى أمته بذلك كلَّّه، والسعيدُ من سار على نهجه واقتفى أثره، اللهم صلي وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين .
أيها المسلمين وفي عالَمِ واقعنا.
ربما رأيت وسمعت عن إنسان يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وأرصدته الضخمة تتوزع على عدد من البنوك والمؤسسات والشركات المصرفية - لكنه قتورٌ مُمسك ، تكاد تُشفق عليه إذا رأيت حاله، وربما ظنَّه - من لا يعرفه - في عدادِ الفقراء والمحتاجين ، لا أثر لنعمة الله عليه في ذاته، وربما عاش أهلُه ومن يعول حالةً من الكفاف والتقشف والحرمان، ما أحوج الآخرين للتصدق عليهم ولربما ذهب أبناؤه يستلفون الآخرين لزواجهم أو لقضاء حوائجهم الأخرى، وكم مست الحاجة نفراً من عشيرته وأقربائه، فلم يفكروا بطلب العون منه، ومدَّ لهم آخرون يدَ المعونة وإن لم تربطهم بهم نسبٌ ولا قرابة، وأنى لهذا الصنف الممسك أن يتحسس حاجات الفقراء - من خارج أسرته -، وأنى لهذا المحروم أن يُقدم العون والمساعدةً لفقراء المسلمين هنا أو هناك !
ما فائدة هذه الأرصدة ؟
وأين حق الله في هذه القناطير المقنطرة ؟
أين سرورُه بما جمع ؟
وأين بهجةُ أهله وأولاده وعشيرته بما فتح الله عليه ؟ أين شعوره بآلام الفقراء والمعوزين ؟
أين كفكفته لدموع الأيامى واليتامى والأرامل والمحتاجين ؟ لا شيء من ذلك، بل نصيبه الكدح والهم، واللوم والذم، ذاك في الدنيا، وفي الآخرة أشدٌ وأنكى، إذا لم يؤد حق الله فيه، هذا إن كان الجمع حلالاً، فإن خالطه شيءٌ من الحرام فتلك ظلماتٌ بعضها فوق بعض، ومن لم يجعل اللهُ له نوراً فما له من نور، إنه نوعٌ من الإعاقةِ والحرمان، شعر بها هذا المسكينُ أو لم يشعر.
عبادَ الله:كم تتفاوت الهمم، وكم تتباين السلوكيات، وإذا كانت الأعمارُ واحدةً فالأعمال متفاوتة، وإذا وجد من يملكُ ولا يعمل، فيوجد كذلك من لا يملك ومع ذلك يُفكر بالعمل، ولربما لم يجد ما يعمل سوى تقديم النية الطيبة لو وجد - ودونكم هذا الهدي النبوي في أصناف أهل الدنيا، فتأملوه ،
يقول r: في سياق حثه على الصدقة (( إنما الدنيا لأربعةِ نفرٍ: عبدٍ رزقه الله مالاً وعلماً ، فهو يتقي فيه ربَّه ويصل فيه رحمه ، ويعمل لله فيه حقاً ، فهذا بأفضل المنازل ، وعبدٍ رزقه الله تعالى علماً ولم يرزقه مالاً ، فهو صادقُ النيةِ ، يقول لو أن لي مالاً لعملتُ بعمل فلان فهو بنيتهِ فأجرُهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً ، يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربَّه ، ولا يصل فيه رحمه ، ولا يعمل لله فيه حقاً ، فهذا بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملتُ فيه بعملِ فلان ، فهو بنيته فوزرُهما سواء ) ) ( رواه أحمد والترمذي وسنده صحيح: صحيح الجامع الصغير 3 / 61 ح 3021 ) .
عباد الله:
وأختم الحديث بنوع سابعٍ من المعاقين من نوعٍ آخر، إنها إعاقة الفكر والقلم، والشلليةُ في نوع العطاء .
فكم تُعجب بصاحب قلمٍ سيال، واطلاعٍ واسع، ولكن تُصدم حين تقرأ نوعَ مساهمته، وتعجب حين تراه يقصر اهتماماته على أمورٍ معينة، وتنحسرُ مجالات الكتابة عنده في أمورٍ أقلَّ ما يُقال فيها إنها من الأمور المُختلف فيها - وكثرة التركيز عليها، مدعاةٌ للبلبلة وتفريق الكلمة، والأمر أدهى حين يُصاحبها شيءٌ من الغرور والتعالم أو التهكم والسخرية .
إن القضايا الحية والإيجابية في تاريخنا المعاصر كثيرةٌ ومتنوعة، فما بال هؤلاء يتجاهلونها ويصرون على نكأ الجرح وجلدِ الذات ؟
إن الكاتب المسلم الذي لا ينتصرُ لحقٍ أو يدفع باطلاً معوقٌ في كتابته، والمُثقف المسلم الذي لا يُسخر ثقافته في سبيل الجهاد لإعلاء كلمة الله والدعوة للدين الحق، ومقارعة الباطل، وفضح المبطلين في ثقافته خلل، وفي فكره تعويق وشلل، والمُتاجرون للثقافة المستوردة، والمتحدثون عن رموزها أكثر من حديثهم عن الثقافة الإسلامية ورموزها، عندهم نوعٌ من التعويق.
كم هم المسلمون المظلومون اليوم؟! وكمْ من تعاليم الإسلام وأحكام القرآن والسنة تشوه اليوم، والساكتُ عن النطق بالحق ونصرة المظلومين شيطان أخرس، وكم هم الظالمون المعتدون؟ والساكتُ عن فضحِ هؤلاء أو المُجاري لهم، أوالمتحدثُ نيابة عنهم شيطان ناطق، إنه ليس هدفُ المسلم أن يكتب ويشتهر، بل كيف يكتب وعن ماذا يكتب ؟ والرقيب خبير وعتيد (( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ) (سورة ق: 18) .
أيها المسلمون:
لنُعيد النظر إذاً في مفهوم الإعاقة على ضوء مفهوم (( ليس الغنى عن كثرةِ العرض ولكن الغنى غنى النفس ) ).
وعلى ضوء مفهوم (( الكيسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموتُ والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) ).
ودعونا نقول إن المُعوق حقاً هو القادرُ الكسول ، والغنيُ المحروم، هو صاحبُ الطاقة والقاتل لها، هو الذي لا يثق بنفسه أو لا يهتم بقدراته ،فتموت الطاقات والإبداعات عنده بمحض إرادته، هو الذي يُبصرُ ثغرهً في المجتمع ويجد من نفسه القدرة على تغطيتها فلا يفعل، هو الذي يستطيع أن ينفع بكلمة أو موقف فلا يُقدم عليها، إن للسمع تعويقاً بالصدود عن سماع هدي الله، وللبصر تعويقاً وإعاقته حجبُه عن التأمل في فسيح ملكوت الله، وللقلم إعاقة، وإعاقته بحجبه عن الكتابة في نصرة الدين وخدمة قضايا المسلمين .
نحن أمةُ خيرٍ شعارُها تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله ، ونحن أمة عهدٌ الله لها وصيةُ خالِقها (( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ).