فهرس الكتاب

الصفحة 8020 من 9994

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله. (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ ص وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أما بعد ، أيَّها المسلمون:

فما فتئ أعداءُ الأمة يحيكون المؤامرةَ تلو المؤامرةَ ، ويسعون جاهدين في صرفها عن دينها, ومنهاج رسولها بشتى الطرق, ومختلف الأساليب ، ألسنتهم أحلى من العسل, وقلوبهم قلوب الذئاب ، يقول الله جل جلاله في بيان تلك العداوة: (( أن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) ) (الممتحنة:2) .

ويقول سبحانه: (( إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ) ) (النساء: 101) . ويقول: (( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ) ) (المائدة: 82) .

إنهم حسدوا أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ما حباها ربها من النعم ، فامتلأت قلوبهم حقدا وحنقا, وغيظا وكمدا, على هذا الدين وأهله, وودوا لو سَلبوا تلك النعمة, يقول الله في بيان ما تختلج به نفوسهم: (( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ) ) (النساء: 89) .

إنهم لا يألون جهداً ، ولا يتركون سبيلاً للوصول إلى أغراضهم الشيطانية, وتحقيق أهدافهم الإبليسية, في النيل من أهل الإسلام إلا سلكوه ، ولهم في ذلك أساليب عديدة, ووسائل خفية وظاهرة .

فمن تلك الأساليب, ما نراه الآن في صحفنا, وعبر مجلاتنا, وتلك اللافتاتِ الموجودة في ناصية كل طريق, من الدعوةِ إلى قضاءِ الإجازة الصيفية في عواصم العالم ومنتجعاته, ووضعِ برامج متنوعة, وفقرات شاملة, لجميع وقت المسافر بأسعار زهيدة .

أمة الإسلام: لقد أصبح السفرُ إلى الخارج مصيبة تضاف إلى رصيد الأمة, التي تتابعت وتكاثرت عليها المصائب والمحن، وليت الأمر توقف عند ذهاب الأولياء فحسب, لهان الأمر وما هو بهين ورب الكعبة, فقد أفتى العلماء الإجلاء بحرمة ذلك كما قاله العلامة ابن باز رحمه الله ، لقد وصل الأمر ببعض الأولياء, أن يرسلوا إلى تلك الديار البائسة فلذات أكبادهم, ومهج نفوسهم وماء وجوههم .

تلك الأفلاذ الغالية, التي نشئت على التوحيد ، وتغذت بلبان العقيدة ، وتربو على الستر والحياء, والحشمة والنقاء ، فلم ترى عيونهم مناظر مقززة ، ولم تسمع آذنهم كلاما ماجنا ، ولم تمش أقدامهم إلى أماكن البارات وحانت الخمور ، وفي لمحة بصر وغمضت عين, ينقلب الأمر رأساً على عقب, فيرى عراة ، عراة من الدين والخلق والقيم، أعداء أعدائهم الستر والثياب، ما إن يأتيهم الصيف, حتى يخرجوا بقطع صغيرة من الأقمشة لا تستر عورة، ولا تبدي حشمة، ولا تظهر عفافاً ، إنما مجرد النظر إليها في الأسواق والطرقات يفقد المرء دينه، ويفقد خلقه ، يرى من يرتكب الفاحشة على قارعة الطريق, يرى عرضاً مجانياً للحوم النساء اللاتي قد حسرن عن أفخاذهن, و يرى هناك حانات الخمور في كل شارع ، وناصية طريق و يرى أولئك الفساق يشربون الخمر, ويتعطون المخدر, ويستنشقونها كما يستنشقون الهواء ، يرى هناك كل شيء إلا الفضيلة، يرى كل شيء إلا العفة والحياء ، يرى كل شيء إلا الطهر والنقاء .

قل لي بربك أيها الأب, ما الذي يردع ذاك الشاب التي تتأجج الشهوة في صدره، وتلتهب الغريزة في نفسه, عن مقارفة تلك القاذورات, وتعاطي تلك المسكرات، ونفسه الأمارة بالسوء تهون له المعصية, وتزين له الفاحشة, وتخادعه أنه قد غاب عن الحسيب والرقيب .

ويا ترى ماذا يدور في خاطر تلك الفتاة المسكينة؟ و ماذا يتحرك في نفسها؟ وهي ترى نظيرتها الأوربية والأمريكية, على حالة من التفسخ والانحلال, وقد تأبطت ذراع شاب عربيد، يجوبان الشوارع على أنغام الموسيقى الصاخبة فكم من القيم تهتز ؟! وكم من المبادئ والأخلاق تذهب أدراج الرياح ؟! وكم من القنا عات الراسخة تتغير و تتلاشى من خلال رأيتهم لتلك الحياة الغربية ؟! وكم من الشباب الذين رجعوا من هناك محملين بأفكار مسمومة, وشهوات محمومة ؟ قد غُسلت أدمغتهم ، ومُحيت ديانتهم ، فأصبحوا لا يطيقون المكوث في ديار الإسلام، وودوا لو تغيرت أوضاع مجتمعاتهم, فأصبحت تحاكي المجتمع الغربي في كل شيء, إلا في التقدم العلمي, والمادي,

وكم من الفتيات اللاتي خلعن هناك جلباب الحياء والستر والعفاف, فإذا عادت من هناك وقد ألفت التبرج والسفور, والتفسخ والركض وراء المشتهيات, لم تجد ذلك في بلدها ، فإذا بها تضيق ذرعا بدينها, فتتمنى رجوعها أو تَحول بلادها ، وما حوادث تحرير المرأة, والمطالبة بقيادتها عنا ببعيد .

وكم من الأزواج الذين رجعوا إلى بلادهم, وقد نقلوا إلى زوجاتهم الهدايا التذكارية, التي لا تنسها تلك المرأة العفيفة الطاهرة, فيا ترى ما تلك الهدية ؟ إنها مرض الإيدز ونحوه.

نعم أيها الأخوة, كم من العفيفات الطاهرات أصبن بهذا المرض الخطير, من جراء أزواجهن الذين ارتكبوا الفاحشة, ومارسوا جريمة الزنا ـ عياذاً بالله من ذلك ـ فما ذنب تلك المسكينة ؟! وما جرمها ؟! بل يعد الأمر أعظمُ من ذلك, حتى نقل ذلك الأب المتحرر مرض الإيدز إلى الطفل الذي في رحم أمه ؟! الطفل الذي لم تطأ قدمه الأرض , الطفل الذي لم يرتكب ذنباً , ولم يفعل جرماً , تطأ قدمه الأرض وهو يحمل مرض الإيدز , بأي ذنب قتلت ؟

فأي جناية يقدمها أرباب الأسر أعظم من هذه الجناية ؟ وأي خطأٍ فادحٍ يرتكبه أولئك , إن أعز شيء يملكه الإنسان هو دينه الذي أكرمه الله به ، وشرفه على كثير ممن خلق ، فكيف تعرض دينك, ودين أبناءك وبناتك لأن يخدش ويكسر، بدايةً في تصوريهن في جواز السفر الذي لا ضرورة تسمح بذلك ؟ يقول بعض السلف: إذا عرض بلاءً فقدمْ مالك دون نفسك ، فإن تجاوز البلاءُ فقدم نفسك دون دينك, نعم تقدم النفس دون الدين, ولذا شرع الله الجهاد الذي فيه ذهاب ألهوج حفاظاً على الدين ، وأي قيمةٍ للمرء إذا فقد دينه الذي به شُرِف وعُظم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت