#الشيخ محمد بن أحمد بن زاروق الشنقيطي (الشاعر)
الطبعة الأولى 1425 هـ
لقد كانت غزوة الخندق أكبر المعارك أثرا في اهتزاز المواقف ، واختبار السرائر وظهور نفائس القدوة النبوية ، ولم يكن عبثا أن يجيء السياق القرآني لنقش هذه الأسوة في سورة الأحزاب، وفي قلب الآيات التي صورت آفاق المعركة، قال تعالى: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة …) وهذه إشارة واضحة إلى المستوى التربوي الذي وصلت إليه هذه القدوة في هذه الملحمة .
ومن هنا جاءت ضرورة استحضارها في سحمة الظروف الراهنة ، فقد عادت (قريظة) من جديد لتؤلب (الأحزاب) في غياب خطة من المواقف أو خندق يحمي مقدسات الأمة ، وفي استعداد تام لإعطاء كل ثمار (المدينة) للأحمق الغربي المطاع ، دون شرط ولا قيد !!!
وتتفاقم مأساة الأمة في حين يتسلل الناس لِواذا دون استئذان لمواقفهم المبدئية أو قناعاتهم التاريخية ، فعسى أن يساهم هذا الجَُهد في الالتحاق بالركب ، واستجلاء حقيقة القدوة والقيادة بإلقاء الأضواء على العلاقة النوعية بين القائد والجند ، تلك العلاقة التي تجعل سلطان المحبة أقوى من شُرطِيِّ الإكراه ، وحاجزَ الاحترام أسمى من حاجز الخوف ، وفي هذا المنحى تتحد مادة القدوة والقيادة في المعجم التربوي الذي يجعل القدوة والقائد مترادفين على عكس ما يشاهد اليوم من انفصام بين هذين المحورين .
لقد أشاعت غزوة الخندق جوا نفسيا هز الكيان الإسلامي ، إذ استطاع اليهود تدويل المعركة ، وبناء الأحلاف ، وحشد الحشود ، وقد صورت الآيات القرآنية توتر الموقف أروع تصوير ...
وبعيدا عن السرد التاريخي للوقائع ، فسأكتفي هنا بإبراز جوانب من القدوة التي تشبث بها الصحابة في سُدفِ الخوف لتوصلهم إلى دفء الأمان بإشراقة الإيمان .
ولن أوزع هذه القدوة توزيعاً حدودياً فكل حدث في المعركة ينطق بتفتيت الحواجز ، كل مشهد تتفاعل فيه النماذج وتتناغم فيه الألوان ، ويتملى فيه المتوسمون سموَ القدوة وشموليتها.
ولذلك قسمت الموضوع إلى مشاهدَ معلقا على كل مشهد:
المشهد الأول: العمل الجماعي في الخندق:
عن أنس: خرج رسول الله ( إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم ، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم إن العيش عيش الآخرهْ فاغفر للأنصار والمهاجرهْ
فقالوا محيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا 2
وعن البراء بن عازب قال: رأيتُه ( ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبارُ
جلدةَ بطنه ، وكان كثير الشعر ، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ، ويقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا
وإن أرادوا فتنة أبينا
قال: ثم يمد بها صوته بآخرها3.
وقال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله ( الجوع ، فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر ، فرفع رسول الله ( عن حجرين4.
لقد كان في مبدإ حفر الخندق الذي ذكر أهل السير أنه من اقتراح سلمان ( 5 تأصيل لاستيراد الخطط الحربية المتطورة وغيرها من مستلزمات الرقي ، وينبغي ألا يكون مبدأ الانفتاح آلية لتغطية تسلل المفاهيم الهدامة دون عرضها على مصفاة الفكر الإسلامي ، حتى لا تمس بثوابت الأمة وقيمها الحضارية ...
وفي هذا المشهد الحي تطالعنا المشاركة الفعلية للقائد في ميدان العمل ، بهذا السمو واستفراغ الوسع فتكاد حجُب الواقع تضفي عليها ضربا من الخيال والأسطورة.
إنّ عامة الناس ليكتفون بأقل من هذا فابتسامة القائد المتغطرس تجعل الناس ينسون فظاظته وعنجهيته ويندفعون في العمل الشاق على بَرْقها الخُلَّب ، ويبنون على هيكلها المحنط ألوانا من الحكايات والأساطير ، تؤلَّف فيها الكتُبُ وتصبح مثلا يتلى وأناشيد ترجَّع ، ومادة يَتلهَّى بها العابثون في السمر ...
ما نشاهده هنا هو نُقلة نوعية في تعامل القادة مع شعوبهم من جمود المراسيم إلى فاعلية المفاهيم .
في هذه الإطلالة تتشابك المعاني وتتواردُ الأفكار وتتداخل النماذج: هل نقف عند مشهد التواضع الذي ترسِمه بصورة حية تلك الأتربةُ وذلك الغبارُ الذي يغطي البطن الشريف ،أم عند مشهد المساواة العملي الذي لا نعرف عنه اليوم أكثر مما نعرفه عن العنقاء.
أم عند مشهد الصبر على هذا العمل الشاق حيث يتناسى القائد معاناته الشخصية في خضم المعاناة الجماعية ، فيُفيض على أتباعه رهاما من كلمات الرحمة والحنان .
إن هذا المزيج التربوي يُحدث في النفوس الأثر الكبير. ولكن ، هل تقف الروافد التربوية عند هذا الحد ؟ كلا إن النفوس التي تُعايش هذا الإعصار من الخوف والمشقة والإرجاف لتحتاج حاجة ماسة إلى الترويح الذي تَميسُ معه النفس دون أن تفقد طابع الجد والرزانة ؛ وهنا يتفجر منبع جديد من منابع هذه القدوة التي لا تنضب ولا تَغيض .