#محاضرة
لفضيلة الشيخ
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين أما بعد ..
فنحمد الله سبحانه وتعالى على ما يسر من تجدد اللقاء في هذا اللقاء الشهري الذي نتناول فيه شيئاً من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أيها الإخوة الكرام إن موضوع هذا الدرس هو ما قرأتموه لماذا نتعلم؟! إنه سؤال قليل العبارة لكنه يتضمن في جوابه معاني كبيرة وذلك أن المسؤول عنه أمر عظم الله جل وعلا شأنه في كتابه وذكر فضل أهله وبين مناقبهم وحث على الاستكثار منه وكذلك سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مليئة بالنصوص الحاثة على العلم المرغبة فيه الداعية إليه ويكفي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صح عنه كما في حديث أم سلمة أنه كان يستفتح النهار بأذكار منها: (( اللهم إني أسألك علماً نافعاً ) ) (1) وقد أمر الله جل وعلا رسوله - صلى الله عليه وسلم - بسؤال الله المزيد من العلم فقد قال جل وعلا: ? وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ? (2) . ولم يأمر جل وعلا رسوله - صلى الله عليه وسلم - بطلب الزيادة في شيء إلا العلم وذلك انه مفتاح الفضائل وفيه خير عظيم ، فالعلم كما قال الإمام مالك: خير كله. لكن ينبغي للمتعلمين وللمعلمين ولمن يشتغل بالتعليم على أي وجه كان أن يعرف لماذا نتعلم.
أيها الإخوة الكرام.. إن جواب هذا السؤال يحتاج إلى أن نبين أن أنواع العلم التي يشتغل بها الناس نوعان من حيث الجملة، النوع الأول وهو أشرفها وأعظمها أجراً عند الله عز وجل العلوم الشرعية العلوم الدينية وهذه العلوم هي كل علم يقرب إلى الله جل وعلا علم الكتاب وعلم السنة علم قول الله عز وجل وعلم قول رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويدخل في هذا العلم كل ما أعان على فهم كتاب الله وفهم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه يحصل لمتعلمه الفضل إذا قصد بهذا التعلم فهم كلام الله وفهم كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
أيها الإخوة الكرام.. لماذا نتعلم العلم الشرعي؟؟ لماذا أطال العلماء في الحث على تحصيل العلم والصبر على مضاضة الطلب وما فيه من الكد والعناء؟ هل هو لتحصيل مكاسب قريبة وانتزاع مناصب في الدنيا أم هو لأمر أبعد من ذلك؟ إن طلب العلم الشرعي له مقاصد عديدة من أهمها وأولها أنه يعرف به الله سبحانه وتعالى فالعلم الشرعي أيها الإخوة به يعرف الإنسان ربه سبحانه وتعالى يعرف ما لله جل وعلا من الأسماء وماله من الصفات وماله من الأفعال هذا فيما يتعلق بذاته جل وعلا ، يعرف أيضاً ما يجب له من الحقوق فإن العلم الشرعي هو السبيل الذي يتعرف به الخلق على ربهم سبحانه وتعالى فإن الله سبحانه وتعالى بعث المرسلين به معرفين وإليه داعين فكل الرسل جاءت تعرف الخلق بربهم وتدلهم عليه وتبين لهم شيئاً من أوصافه ليعرفوه سبحانه وتعالى ويعبدوه وذلك أيها الإخوة أنه لا سعادة للناس في حياتهم ولا لذة لهم في معاشهم إلا بمعرفة الله جل وعلا فان معرفة الله سبحانه وتعالى أصل السعادة ورأسها وهذه السعادة ليست مقتصرة على سعادة الدنيا فحسب بل هي التي تبقى بعد الموت وتنفع في الآخرة فلذة العلم بالله جل وعلا ومعرفته سبحانه وتعالى فوق كل شيء فالعلم بذاته يستلزم العلم بما سواه لأن من عرف الله تفتحت له أبواب العلم وأبصر السبيل واستضاء له الطريق فلا يحتاج بعد ذلك أكثر من العلم بالله جل وعلا لأن به يفتتح كل مغلق ويحصل به كل مطلوب أما من لم يعرف ربه جل وعلا فإنه عن كل خير غافل قال الله جل وعلا: ? وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ? (3) فتأمل هذه الآية تجد فيها أن الله عز وجل تهدد من نسيه بأنه سبحانه وتعالى ينسيه نفسه ومن نسي نفسه أيها الإخوة كيف يعرف مصالحها ؟ كيف يعرف فلاحها؟ كيف يستقيم معاشه فضلاً عن معاده؟
(1) أخرجه أحمد من حديث أم سلمة برقم 25312 .
(2) طه: 114.
(3) الحشر: 19.