فهرس الكتاب

الصفحة 6610 من 9994

إن من غفل عن الله عز وجل ونسي ربه سبحانه وتعالى يصدق عليه قوله جل وعلا: ?وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً? (1) فإن من غفل عن الله عز وجل وعن ذكره انفرط عليه أمره ولم ينتظم له شيء من الأشياء بل تفوته مصالح دينه ومصالح دنياه وهذا أيها الإخوة ليس مبالغة في بيان أهمية العلم بالله عز وجل بل هذا هو الواقع وليس ما نراه عند الكفار من إتقان عمارة الدنيا من تشييد المباني وإتقان المصنوعات والسبق الحضاري ليس ذلك أمام ما فاتهم من الخيرات التي في الدنيا والخيرات التي أخبر بها جل وعلا في الآخرة ليس ذلك بشيء إنما هو كما قال الله جل وعلا: ?كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ? (2) فهو أكل وشرب وتمتع قليل لكنه لا ينزع عنهم هذا وصف الإجرام.

أيها الإخوة الكرام.. إننا نطلب العلم الشرعي لنعرف به نبينا - صلى الله عليه وسلم - الذي بعثه الله حجة على الإنس والجن بعثه الله سبحانه وتعالى بين يدي الساعة بالحق بشيراً ونذيراً يدعو إلى الله عز وجل، يبلغ الرسالات، يبصر من العمى ويهدي من الضلال فمن أقبل على العلم الشرعي عرف النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا عرف النبي - صلى الله عليه وسلم - وعرف ما جاء به تيقن صدق ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - فإن أهل العلم يعرفون صدق ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - لأنهم بما معهم من العلم يدركون صحة خبره - صلى الله عليه وسلم - فيما عقلوه من معاني هذا الكتاب العظيم وفيما أدركوه من آيات الله عز وجل في الأنفس والآفاق قال الله جل وعلا: ?وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ? (3) وقال جل وعلا: ? قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً ? (4) ولا يمكن أن يكون منهم هذا إلا إذا صدقوا بما جاء في الكتاب فإنهم يخرون تعظيماً لله عز وجل وتعظيماً لكلام الله سبحانه وبحمده وتعظيماً لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحق والهدى والنور.

أيها الإخوة الكرام.. إن من فوائد تعلم العلم الشرعي أن العلم الشرعي يعصم العبد من الوقوع في أعظم الظلم وهو الشرك قال الله سبحانه وتعالى: ? شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ ? (5) فاستشهد الله سبحانه وتعالى العلماء دون غيرهم من الناس على أعظم مشهود وهو أنه لا إله إلا هو سبحانه وبحمده أنه المتفرد بالألوهية واستشهاد الله للعلماء بيان لفضلهم وأنه تزكية لهم لأنه لا يمكن أن تقبل شهادة أحد ما لم يكن عدلاً فاستشهد الله سبحانه وتعالى العلماء على أعظم مشهود وهو التوحيد وكان في ذلك تعديل لهم لأن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول قال الله سبحانه وتعالى في بيان ما كان عليه أهل الجاهلية لما فقدوا العلم قالوا: ? وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً? (6) فهذه وصية بعض الجهال من المشركين لأتباعهم ولمن يسمع نصحهم لكنه متى كان هذا؟ كان هذا لما نسي العلم وارتفع أثره ولم يبق لدى الناس له وجود عبد هؤلاء الأصنام من دون الله عز وجل فالعلم يعصم الإنسان من الشرك، روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في بيان معنى هذه الآية كان هؤلاء رجالاً صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا على مجالسهم أنصاباً وسموها بهم فنصبوا الأنصاب ليتذكروا عبادة هؤلاء وسموها بأسمائهم لينشطهم هذا على شدة السعي للخير والعمل به ففعلوا ولم تعبد أي لم تعبد فترة من الزمن حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت ومن هذا نفهم أن نسيان العلم سبب لكل شر بل هو سبب لأعظم الشرور وهو الشرك بالله سبحانه وتعالى أيها الإخوة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ) (7) وإن المتأمل الناظر لهذا الترتيب للفضل يعلم أن هذا الترتيب للفضل إنما هو بالنظر إلى ما مع القرن الأول من العلم والإيمان ، فلما كان القرن الأول سابقاً في العلم والإيمان كان متقدماً على غيره من القرون وهكذا القرن الذي بعده والقرن الذي بعده ولا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه وذلك بسبب نقص العلم فانه كلما تقدم الزمن وكلما مضى الدهر كلما قل العلم في الناس ولا يقل برفع العلم فإن الله لا يرفع العلم ولا ينتزعه انتزاعاً من صدور الناس إنما ينتزعه بموت العلماء.

(1) الكهف: 28.

(2) المرسلات: 46 .

(3) سبأ: 6 .

(4) الإسراء: 107 .

(5) آل عمران: 18 .

(6) نوح: 23 .

(7) أخرجه البخاري في الشهادات برقم 2457.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت