كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيناي تهمل
تخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما فيك كنت أؤمّل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل
تراه معدا للخلاف كأنه ... بردّ على أهل الصواب موكل
قال: فعند ذلك أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه، وقال: أنت ومالك لأبيك"."
عباد الله:
وثاني هؤلاء الثلاثة في القصة: رجل ضرب مثلاً بالغاً في العفة الكاملة، حين تمكن من حصول مراده من هذه المرأة، التي هي أحب الناس إليه، ولكن عندما ذكرته بالله تركها، وهي أحب الناس إليه، ولم يأخذ شيئا مما أعطاها.
جاء في الصحيحين في حديث السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله أن من ضمن هؤلاء السبعة:"رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله".
ما أعظم الفرق بين هذا وبين من يسافر لبلاد الدعارة والمجون لأجل أن يزني بالعاهرات المومسات والعياذ بالله!.
ألا فليعلم أولئك الذين يسافرون لتلك البلاد أن الله عز وجل رقيب عليهم، ولا يخفى عليه خافية، فهو مطلع عليهم في هذا البلد، وفي تلك البلاد، وليعلموا بأنهم على خطر عظيم، إن لم يتوبوا إلى الله تعالى.
يقول الله عز وجل: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) .
ويكفيك من قبح الزنا: النظر للعقوبة الشرعية المترتبة عليه في الدنيا.
فحد الزاني البكر جلد مائة، وأن يغرّب عن موطنه سنة كاملة.
وأمّا إذا كان محصناً، أي: متزوّجاً فحدّه القتل، لكن على صفة فظيعة غليظة، وهي: الرجم بالحجارة حتى الموت.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات، والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماٍ لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. أما بعد:
فاعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
عباد الله:
وثالث هؤلاء المذكورين في القصة: رجل ضرب مثلا عظيماً في الأمانة والنصح، حيث ثَّمر للأجير أجره فبلغ ما بلغ، وسلمه إلى صاحبه، ولم يأخذ على عمله شيئاً.
ما أعظم الفرق بين هذا الرجل وبين أولئك الذين يظلمون الأجراء ويأكلون حقوقهم، لاسيما إن كانوا من العمال الوافدين.
فتجد هؤلاء الكفلاء يكاد يصدق فيهم قول الله تعالى: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) .
فهم يريدون من هؤلاء العمال أن يقوموا بالعمل على أكمل وجه، ولكنهم يبخسونهم حقوقهم ويماطلونهم في إعطائهم أجرتهم، وربما رجع بعض أولئك العمال إلى بلدانهم ولم يستوفوا أجورهم!.
ألا فليعلم من استأجر أجيراً ولم يوفه أجره أن الله تعالى سيكون خصمه يوم القيامة!.
لن يكون خصمك هذا العامل المسكين الضعيف، ولكن سيكون خصمك رب العالمين، كما جاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته؛ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه، ولم يوفّه أجره".
عباد الله:
ودل هذا الحديث على مشروعية التوسل بالأعمال الصالحة، بل إن ذلك التوسل سبب لتفريج الكروب، وانظر إلى حال هؤلاء الثلاثة لما ضاقت بهم السبل توسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم ففرج الله عنهم.
اللهم إنّا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
(رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) .
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
(1) صحيح البخاري 4/449، صحيح مسلم 4/2099.
(2) صحيح البخاري 10/ 415، صحيح مسلم 4/1982.
(3) صحيح مسلم 4/1979.
(4) صحيح البخاري 10/405، وصحيح مسلم 1/91.
(5) صحيح مسلم 4/1978.
(6) أخرج هذه القصة الطبراني في المعجم الصغير: ص 392- 393، وقد ردت من عدة طرق، وصححها الألباني في إرواء الغليل: 3/ 323 بمجموع الطرق.
الخطبة الأولى
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ الله من شرور النفس وسيء العمل، من هدى اللهُ فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم وأقتفى أثرهم على يوم الدين، أمّا بعد:
أيها المسلمون:
فإن لهذه الأمة خصائص تميزها، ومزايا تخصها، تنفرد بها عن غيرها من الأمم، ولا عجب! فهي الأمة الوسط، والأمة المجتباة.
وهي الأمة المختارة، لتكون شاهدة على الأمم، مقدمة على الشعوب.
هذه المرتبة المتميزة، والمكانة المتسنمة فوق القمم، لم تكن لتحدث هكذا اعتباطاً!
فهي ليست لسواد في أعين أبنائها، ولا لفتوة في مناكب شبابها، ولكن: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) . [سورة آل عمران، الآية: 110] .
لذا حُظيت الأمة برفعة المنزلة، وفازت بقصب السبق، وتسنمت علو المقام!.
ولنا أن نتساءل:
أما زالت الأمة محتفظة بأسباب رفعتها، ومناط عزها وفخرها؟!.
أما زالت سفينة النجاة محتفظة بتوازنها، متحصنة ممن يريدون خرقها، ويجتهد في إغراقها؟!
أيها الأخ الكريم:
ستجيبك تلك الجموع الهائلة حول الأضرحة والمشاهد؛ تستغيث بغير الله سبحانه، وتنزل حوائجها بمن لا يملك نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً!.
وستجيبك جموع المتخلفين عن الصلوات المكتوبة! المنشغلين عنها بسفاسف الأمور، وخيبة الدهور!.
ستجيبك، تلك الأجساد العارية على شواطئ البحار، وضفاف الأنهار، باسم الترفية والاستجمام!.
ستجيبك حانات الخمور، وملاعب القمار ودور السينما، ومراتع الفساد المنتشرة في كثير من بلاد المسلمين!.