فهرس الكتاب

الصفحة 3610 من 9994

#المؤذن الأول ... ... ...

عائض القرني ... ... ...

ملخص الخطبة ... ... ...

1-سبق بلال إلى الإسلام. 2- المحبة المتبادلة بين بلال والنبي . 3- ثبات بلال على الإسلام رغم التعذيب. 4- شيء من فضائل بلال ومواقفه مع النبي . 5- امتناع بلال عن الأذان بعد موت حبيبه . ... ... ...

الخطبة الأولى ... ... ...

أيها المؤمنون:

من هو المؤذن الأول؟ من هو أول من صدع بصوت الحق؟ على منارة الحق، في دنيا الحق؟

إنه المولى الضعيف المسكين، الذي رفعه هذا الدين، فأصبح من ورثة جنة النعيم.

بلال بن رباح، اسم يحبه المؤمنون، وصوتٌ تتعقشه آذان الموحدين.

ولابد للمسلم أن يولد ميلادين، وأن يعيش حياتين؛ الميلاد الأول: يوم ولدته أمه. والميلاد الثاني: يوم ولد في هذا الدين.

وبلال وأرضاه، ولد ميلادين، وعاش حياتين، ولد مولى، أسره الجبابرة، وسلطوا عليه سياط العنف والكبر والعنجهية، فكان لا حساب له، ولا رأي، ولا تأثير في الحياة، وأخذ إلى مكة مفصولاً معزولاً عن أهله وأمه، وعاش في مكة، عبداً ذليلاً.

وفجأة، صدح الرسول عليه الصلاة والسلام بالحق هناك من على الصفا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وذهب عليه الصلاة والسلام إلى سادات مكة، يدعوهم إلى الحق، فكفروا به، وكذبوه وآذوه وشتموه، فأنزل الله عليه واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً [الكهف:28] . لا عليك من هؤلاء الكبار، إنهم صغار عند الله لا تعبأ بهم، ولا تعطهم شيئاً من وقتك، ما دام هذا صنيعهم، ولا تظن أن الإسلام سوف ينتصر على أكتاف هؤلاء المتكبرين. ولكن كن مع الذين يريدون وجه الله والدار الآخرة، كن مع المساكين الفقراء، كن مع الضعفاء والمستضعفين، ابحث عنهم، وقربهم من مجلسك.

وبدأ الرسول يبحث عن هؤلاء، فوجدهم في عالم الضعف، وعالم الذل، وعالم المسكنة، وكان بلال أحد هؤلاء.

رأى بلال محمداً عليه الصلاة والسلام في القلوب هو الحب، لقد فجر محمد أنهار الحب في قلوب أصحابه، حتى كان الواحد منهم في المعركة، يقدم صدره أمام صدر الرسول، عليه الصلاة والسلام، ويتمنى أن ينشر جسمه بالمناشير، ويقطع إرباً إرباً، ولا يشاك رسول الله بشوكة، ويقول: نفسي لنفسك الفداء يا رسول الله.

إنه الحب الذي جعله الله في القلوب لهذا النبي العظيم، أحب بلالٌ محمداً عليه الصلاة والسلام حباً استولى على سمعه وبصره وقلبه، فأصبح يتحرك بحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، يأكل وشخص الرسول عليه الصلاة والسلام أمام عينيه، ويشرب والرسول ماثلٌ أمامه، ولسان حاله يقول:

أحبك لا تسأل لماذا لأنني أحبك هذا الحب رأيي ومذهبي

ويقول أيضاً:

أحبك لا تفسير عندي لصبوتي أفسّر ماذا الهوى لا يُفسّر

فلما أحبه شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأحب الدين؛ لأنه دين يكره الرقّ والعبودية لغير الواحد الأحد، ويكره الظلم ويحارب الظلمة.

فلما أسلم بلال ، اجتمع عليه الجبابرة، وأذاقوه أليم العذاب؛ ليترك لا إله إلا الله فأبى، سجنوه، ضربوه، قيدوه بالحبال، جروه من قدميه، يأكل الحصى من لحمه وعظمه، ألقوه في الصحراء في حر الظهيرة والشمس ملتهبة؛ ليعود إلى الكفر فأبى، وقالها كلمة خالدة أبدية: أحدٌ أحد.

من هو الواحد الأحد؟ هو الذي أرسل هذا الرسول، وأوجد هذا الإنسان، وفرض هذا الدين.

لطموه على وجهه، فارتفع صوته متأثراً ثائراً مجروحاً: أحدٌ أحد، ضربوه بالسياط حتى أكلت السياط من لحمه ودمه وهو ينشد: أحد أحد. قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد [الإخلاص:1-4] .

إنها إرادةٌ ينثني لها الحديد، إنها المعجزة الكبرى التي أتى بها رسولنا ، كيف حول هؤلاء الأعراب والموالي والرقيق، من أناس فقراء مستضعفين، إلى كتائب تزلزل الدنيا بلا إله إلا الله.

يقول إقبال شاعر الإسلام:

وأصبح عابدو الأصنام قدماً حماة البيت والركن اليماني

ومر أبو بكر أمام بلال وهو يعذب، فقال لمولاه أمية بن خلف المجرم: أشتريه منك يا أمية، فقال أمية: خذه ولو بعشرة دنانير. قال أبو بكر: والله لو جعلت ثمنه مائة ألف دينار لاشتريته منك، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فأنزل الله: وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحدٍ عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى [الليل:17-21] . أعتقه أبو بكر ، وهو لا يريد منه جزاءً ولا شكوراً، ثم ذهب به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ممزق الثياب، يتساقط دمه ولحمه من شدة التعذيب، فأخذه عليه الصلاة والسلام واحتضنه، كما تحتضن الأم طفلها، ودعا له، وعيّنه مؤذّنه الأول، أول مؤذن في التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت