إيّاكم عند المصائب والجزعَ وكثرةَ الشكوى، فإنّ من غفل عن أسباب العزاء ودواعي السلوى تضاعفت عليه شدّة الأسى والحسرة، وهو بهذا كمن سعى في حتفه وأعان على تلفه، فلا يطيق على مصابه صبرًا، فضلاً قال الشيخ عبدالله القصير حفظه الله (إن شكوى الله على الخلق من أمارات وموجبات ضعف الإيمان، ومن مظاهر اليأس من روح الملك الديان، ومن دواعي القنوط من رحمة الله الرحيم الرحمن، وتلكم من خصال شر البرية الذين يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية؛ ولهذا تجدون بعض هؤلاء إذا نزلت بأحدهم النازلة أو حلت به الكارثة ضاقت عليه المسالك، وترقب أفجع المهالك، فضاق صدره، ونفد صبره، واضطربت نفسه، وساء ظنه، وكثرت همومه، وتوالت غمومه) أ هـ وإياكم والتحسر والتأسف، فلا يقولن أحد .. لو أني فعل كذا لكان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان..كما صح عن الحبيب r .
وتذكَّروا أنّ الجزع لا يردّ الفائت، ولكنه يُحزن الصديق ويسرّ الشامت، ولا تقرنوا بحزن الحادثة قنوط الإياس، فإنهما لا يبقى معهما صبر ولا يتّسع لهما صدر.
وأخيرًا: فإنّ الصبر على المصائب يُعقب الصابرَ الراحة منها، ويُكسبه المثوبة عنها، فإنْ صبر طائعًا وإلا احتمل همًّا لازمًا، وصبر كارهًا آثمًا. قال علي بن أبي طالب t: (إنّك إنْ صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإنْ جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور) ، وقال عمر بن الخطاب t: ( إنا وجدنا خير عيشنا الصبر) ، وروي عن علي t قوله: (اعلموا أنّ الصبر من الإيمان بمنْزلة الرأس من الجسد، ألا وإنه لا إيمان لمن لا صبر له) . جعلنا الله جميعًا من الصابرين الشاكرين، وهو حسبنا ونعم الوكيل. اللهم أجبر مصاب المصابين ، واخلف اللهم لهم بخير مما فاتهم يا سميع يا قريب.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيهِ . فاللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وأرضى عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين، وعن والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم نسألك الأمن في الأوطان. اللهم نسألك الأمن والإيمان. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلهم ممن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم أرهم الحق حقاً، وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وأرزقهم اجتنابه. وارزقهم البطانة الصالحة وأبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } الحشر10 اللهم فرج كربات المكروبين من المسلمين، ونفس هم المهمومين، واقضي شالدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اللهم أكرم نزلهم وأوسع مدخلهم، واحشرهم في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم أنت لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل على الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم لا تحرمنا ما عندك بشر ما عندنا، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا فضلك. آمين اللهم استجب. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله.. {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } النحل90. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون.
الحمد لله ؛ هدانا للإسلام ، وعلمنا الحكمة والقرآن ، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس ، أحمده على عظيم نعمه، وأشكره على إحسانه ومننه ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ خلق عباده حنفاء فاجتالتهم الشياطين فصرفتهم عن دين الله تعالى ، وأحلت لهم ما حرم ربهم عليهم ، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله ؛ لا خير إلا دلنا عليه ، ولا شر إلا حذرنا منه ، تركنا على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله عز وجل ؛ فاتقوه حق التقوى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) (الحشر: 18-19) .
أيها الناس:
من حكمة الله سبحانه وتعالى في عباده أن ابتلاهم بالكفر والإيمان ، والخير والشر ، وجعلهم حزبين ، فحزبٌ أولياءُ الرحمن أعداء الشيطان ، وحزبٌ آخرُ هم أعداء الرحمن ، أولياء الشيطان ، وكلف سبحانه أولياءه بإقامة الدين والثبات عليه ، ووعدهم بالنعيم المقيم في الآخرة ، وابتلاهم بأولياء الشيطان ، الذين ينشرون الكفر والضلال ، ويصدون عن سبيل الله تعالى ، ويحاربون أولياءه عز وجل.
إنهما فريقان: فريق حق ، وفريق باطل ، وجندان: جند الرحمن ، وجند الشيطان ، هكذا أراد الله تعالى ؛ ابتلاء وامتحانا للبشر: (( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ) ( التغابن: 2) .
وفي آية أخرى (( فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) ) (فاطر: 8) .
وفي آية ثالثة (( فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ ) ) (الأعراف: 3) .
وفي آية رابعة (( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) ) (الشورى: 7) .
وكان سبحانه وتعالى - ولا يزال - قادرا على جعل البشر كلهم من أوليائه ، وعلى هدايتهم كلهم للإيمان، ومجانبتهم للكفر والعصيان ، ولكن إرادته النافذة ، وحكمته البالغة تأبى ذلك ؛ كما هو مقرر في كثير من الآيات: (( وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ ) ) ( الأنعام: 1.7 ) .
وفي آية أخرى: (( وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ) ) ( السجدة: 13) .
وفي ثالثة: (( وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ) ) ( الأنعام: 35) .
وفي رابعة: (( وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) ) (هود: 118-119)
بل بين سبحانه وتعالى أن الهداية له ، وأن الخلق مهما عملوا على هداية من كتبت عليه الضلالة فلن يهتدي: (( مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ) ) ( الأعراف: 186) .
(( فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ) ) (الجاثية: 23) .
وخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم في كثير من الآيات بهذا المعنى العظيم فقال سبحانه: (( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ) ) (يونس:99-1..) .
وفي أخرى: (( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) ) (القصص: 56) .