فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
#غزوة تبوك ... ...
مازن التويجري ... ...
ملخص الخطبة ... ...
1.الروم يهمون بحرب المسلمين2. الصحابة يجهزون جيش العسرة3. خروج المسلمين إلى تبوك4. قصة المخلفين الثلاثة ... ...
الخطبة الأولى ... ...
قد سبق الحديث عن غزوة مؤتة، وما كان لها من الأثر البالغ في سمعة المسلمين وعلو مكانتهم، في حين بقي الرومان يتحسرون على نتائج تلك المعركة، وإن لم يكن فيها نصر ظاهر لأهل الإسلام، ومن ذلك الوقت وهم يفكرون ويعدون العدة لضرب الإسلام القوة الضاربة في عمق الصحراء التي أضحت تشكل الخطر الوحيد على أمة الروم.
ووصلت الأنباء إلى المدينة أن هرقل قد هيأ جيشًا عرمرمًا قوامه أربعون ألف مقاتل... عندها أمر النبي الصحابة أن يتجهزوا للقتال، وبعث إلى قبائل العرب وأهل مكة يستنفرهم، وأخبر الناس بمسيره، ولم يوري بغير وجهته، فتسابق المؤمنون يجهزون جيش الحق، فتصدق عثمان رضي الله عنه بثلاثمائة بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجره ، فكان رسول الله يقلبها ويقول: (( ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم ) )ثم تصدق حتى بلغت صدقته تسعمائة بعير ومائة فرس سوى النقود، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كله أربعة آلاف درهم، وجاء عمر بنصف ماله، وتتابع الناس كلٌ بما يستطيع حتى أنفقوا مدًا أو مدين، وبعثت النساء من حليهن ما استطعن وخرج المسلمون نحو تبوك وكان قوام الجيش ثلاثون ألف مقاتل، ونزلوا بها فعسكروا وقام النبي في الناس خطيبًا، فخطب خطبة بليغة، وبلغ الرومان وحلفائهم ذلك الزحف المبارك فأخذ منهم الرعب كل مأخذ، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء بل تفرقوا في بلادهم لا يلوون على شيء، فصالح عليه السلام بعض ملوكهم على الجزية وانحاز حلفاء الرومان من قبائل العرب كغسان إلى المسلمين، فتوسعت حدود الدولة الإسلامية، حتى لاقت حدود دولة الرومان، عندها عاد الجيش الإسلامي بخطى ثابتة راسخة، يقطع المفاوز والفيافي بقلوب مؤمنة، وعز وتمكين، فقد أضحوا أقوى قوة على وجه الأرض، هذه غزوة تبوك، عاد منها المسلمون بنصر جديد، ذا طعم آخر، وطابع مغاير، إن ذلك الجيش المبارك الذي أنزل الرعب في قلوب أعظم قوة على وجه الأرض هو جيش الآباء والأجداد، ما حملوا من العتاد أعنفه، ولا من الزاد أكمله، ولكنه الإيمان يعمل في النفوس فيصنع الرجال، وإن الذي لا بد أن تُربى عليه الأمة أمران: الأول: أن النصر والظفر لدين الله مهما تكالب الأعداء، وعظم أمرهم وعلا شأنهم، وهذا موعود الله لا يتخلف.
الثاني: أن النصر ليس وليد يوم وليلة بل تضافر الجهود جميعًا، جهود الولاة والعلماء والمربين والناصحين للنهوض بالأمة من غفلتها وسباتها، وهذا لا بد له من وقت قد يطول لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيّبِ [الأنفال: 27] ولتتذكر أن أفراد ذلكم الجيش الذي أرعب الرومان في تبوك هم أولئك المستضعفون المعذبون في رمضاء مكة قبل عشرين عامًا، وهم أولئك المطاردون المطرودون من بلادهم وأموالهم وأهليهم، ولكنه الصبر والجهاد والمصابرة، وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم [محمد: 28] .
وإنه متى ذُكِرت غزوة تبوك ذُكِر معها ذلكم الحدث العظيم، الذي عاشته المدينة وتقلبت مع أحداثه خمسين ليلة، إنه خبر الثلاثة الذين خُلفوا، كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، ولا يصف الحادثة كمَن رآها وشاهدها وسمع أحداثها بل عاشها، وتجرع آلامها وأحزانها، فلنترك الحديث لكعب بن مالك يروي لنا فصول تلكم الواقعة، قال: ما اجتمع لي في غزاة قبلها قط راحلتان فسار النبي عليه السلام، فقلت: سوف ألحق بهم، حتى تباعدوا، وبلغني أنهم وصلوا تبوك، فيئست من الذهاب، وعلمت أن فاتني اللحاق.