الصنف الثالث: فَهُم الذين لم يكن لهم إيمان الصنف الأول ولا جرأة الصنف الثاني المكذبين، ولكنهم شرٌ منهم، يشتركون مع الصنف الثاني في خبث النفس وفساد الفطرة والطويه، والحنق على الرسل، ويزيدون بأنهم على قدرٍ عظيم من الجبن وضعف القلب والمراوغة، أولئك هم المنافقون الذين قال الله عنهم، (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ) ) (البقرة: 8،9) .
أيها المسلمون: إن مجالات الدعوةِ إلى الله كثيرةٌ ومتنوعةٌ، وأساليبُها وطرقها متعددة: ومن ذلك مجال التعليم عموماً في المدرسة والجامعة والمسجد وغير ذلك، فالمدرس يجب أن يكون داعية إلى الله بالقول والعلم والقدوة الحسنة، فلا يقتصر دوره على مجرد إلقاء الدرس فقط، بل عليه أن يوجه ويعلم ويرشد الطلاّب إلى كل خير وعملٍ صالح، ومن مجالات الدعوة أيضاً:
إمامة المسجد، وكذا موسم الحج، ومنها الدوائر والأعمال الوظيفية، فيجب على رئيس العمل أن يسهم في الدعوة بين منسوبيه وموظفيه وبالتوجيه، وبث الوعي، وأن يتفقدهم عند حضور الصلاة، وأن يشجع كلَّ عمل مثمر ودعوة إلى الخير وتعميمه .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدون إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد .
فإن من وسائل الدعوة إلى الله نشر الكتيِّب الإسلامي وتوزيعه، فإن هذا من الجهد المشكور، والعمل المبرور، وهنا لا بدَّ من تنبيه وهو أن الساحة اليوم ملأ من هذه النوعية، فينبغي أن يختار منها ما هو الأصلح والأنفع، وليرجع إلى طلبة العلم والمختصين في اختيار المناسب لعامة الناس .
ومن وسائل الدعوة أيضاً الشريط الإسلامي، وهو أشهر من أن ينبه عليه، فلقد يَسّر الله عز وجل الانتفاع به بصورةٍ لم يسبق لها مثيل، فهو يحتوي على الأحكام الفقهية والعقائد الصحيحة النافعة، والكلمات الصادقة، والمحاضرات المفيدة، وهو مع المسلم في سيارته وداخل منزله، وهذا من أسباب تيسير العلم فلله الحمد والمنة، وبالجملة فلا ينكر أثر الشريط الإسلامي ومنزلته إلا جاهل به، فكم هدى الله عز وجل به ضالاً، وكم صار بإذن الله سبباً في رد شبهة وإنكارها، وكلمة حق وقول صدق، ومع ما يمُّر به من عقبات، إلا أن المسلمين ـ بحمد الله ـ يدركون أهميته ومكانته، ولم يكن من فوائده الكثيرة ومنافعه العديدة إلا أنه حَلَّ مكان الأغنية الماجنة، وأصوات الفساق من المغنين والمغنيات هذا الغناء الذي أفسدَ القلوب، وزرع النفاق فيها، وحّرض على الفواحش وارتكابها.
قال الإمام العلامة أبن القيِّم ـ رحمه الله-: ( ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماعَ الغناء كما يجنبهنَّ أسباب الريب... فلعمر الله كم مِنْ حرّةٍ صارت بالغناء من البغايا، وكم من حُرِّ أصبح عبداً للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدل به اسما قبيحاً بين البرايا، وكم من ذي غنى وثروةٍ أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والمشايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلّت به أنواع البلايا، وكم جرّع من غصة وأزل من نعمه، وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا؟! وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة وهموم مستقبله ) ( أ ـ هـ ) .
أيها المسلمون: لا بد من التذكير ببعض ما يجب على الداعية أن يتخلّف به ولو على جهة الإيجاز والاختصار، ومن ذلك أن يجتهد في تزكيه نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، ويصلحها قدر الإمكان، وكذا أسرته وأهلُ بيته عليه أن يعمل على أصلاحهم وتأديبهم، وإبعاد الفساد عنهم، ومن صفات الداعي إلى الله: الصدق في الأقوال والأفعال، فإنه الصدق يهدي إلى البر والبرُّ يهدي إلى الجنة.
وإنه مما يدمي القلب أن يتوسّع بعض الناس تحت شعار مصلحة الدعوة وسلامة الدعاة، ومصلحة الدعوة تقتضي الانقياد الكامل لأوامر الله واقتفاء أثر أنبيائه ورسله، وسلامة الدعاة من أذى يصيبهم في الدنيا لا يساوي شيئاً أمام ما توعد الله به الكاذبين، (( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ) ) (الفرقان:27) .
ومن أخلاقه التواضع، فيعرفُ قدر نفسه فلا يضعُها في غير موضعها، ولا يحتقر إخوانه، ويعرفُ أيضاً للعلماءِ وطلبه العلم أقدارهم، ( ومن جهل أقدار الرجال فهو بنفسه أجهل ) ، ومن ذلك: الصبر وما أعظمه، فهو قرين اليقين، وبهما تنالُ الإمامةُ في الدين، قال تعالى: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) ) (السجدة:24) .
ومن صفات الداعية الناجح العدل: وهو إعطاء كلّ ذي حق حقه، ويشمل العدلَ في تقويم الرجال والكتب، ووسائل العلم، والحكم على الناس، ومن أهمِّ الصفاتِ وأعظمِها، وأدلها وأكبِرها الإخلاص لله عز وجل، فيكون مقصوده وهدفُهُ إظهار دين الله وإعلاءُ كلمة الله، ونفع المدعوين وهدايتهم إلى الخير، وهذا مستفاد من قوله: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) )(يوسف:
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ: عن هذه الآية: فيها التنبيه على الإخلاص، لأن كثيراً من الناس لو دعى إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه ـ يعني أنه يريد الظهور والمدح من الناس، وهذا ينافي الإخلاص والله المستعان
الحمد لله ذي الملك والملكوت والعز والجبروت وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي الذي لا يموت وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأذلة على المؤمنين الأعزة على الكافرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً . أما بعد ...
هذا حديث أوجهه لك أنت ما تجلس أمامي أو يبلغك كلامي إنه حديث لك أنت فهل تدري من تكون !
لا يهم أن تكون فلان بن فلان فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ولا يعنيني أن تكون من الأصل الفلاني أو البلد الفلاني فقد خذلت أبا لهب أصالته وبلال عبد جاوز السحب.
أنه حديث لك أنت أيها المسلم يا من تتبوأ أعلى مقام وتتوشح أسمى وسام، إنه الانتماء إلى دين الإسلام .
حينما أصبحت مسلماً فهذا يعني أنك تحمل منة من الله وتكريماً.
أي تكريم لك أيها المسلم أعظم من أن أنزل الله لك كتاباً يخاطبك فيه ويناديك، (( لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ) ) (الأنبياء:10) .
وأي تكريم أجل من أن يرسل الله أعظم خلق وأكرمهم عليه يزكيك ويهديك إلى صراط الله، (( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) ) (آل عمران:164) .
إليك أنت أيها المسلم يا من قدرك عند الله عظيم ومكانتك بين الأمم سامية، ( نحن الأولون والآخرون يوم القيامة ) .
لقد كرمك الله وأعلى شأنك يوم أن جعلك من خير أمة أخرجت للناس .