فهرس الكتاب

الصفحة 4376 من 9994

#جنائزنا اليوم بين هدي الشريعة والابتداع

إعداد/ راشد عبد المعطي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، ثم أما بعد:

الجنازة: مشتقة من جَنَزَ إذا سَتَرَ.. ذكره ابن فارس وغيره، والمضارع يَجْنِز بكسر النون، والجِنَازة بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح- ويقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت، ويقال عكسه. حكاه صاحب المطالع، والجمع: جنائز بالفتح لا غير (1) .

وجاء في فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر رحمهم الله جميعًا: والجنائز بفتح الجيم لا غير- جمع جنازة بالفتح والكسر- لغتان، قال ابن قتيبة وجماعة: الكسر أفصح، وقيل بالكسر للنعش وبالفتح للميت، وقالوا: لا يُقال نعش إلا إذا كان عليه الميت (2) .

وقول ابن حجر: قال الإمام الزرقاني رحمه الله في شرحه على موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى (3) :

ولعل الكثير من الناس لا يحبون الكلام عن الموت وأحواله وما يجري قبله وأثناءه وبعده، ولكنهم لو علموا ما يكون من آثار هذه الأمور كلها ونتائجها لما كرهوا ذلك؛ لأن الموت قدرٌ من أقدار الله جل وعلا واقع لا محالة، ولا هروب ولا تسويف ولا تأخير فيه؛ لأن كل شيء عنده بمقدار، وصدق الله العظيم القائل: إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر [القمر: 49-50] ، وقوله تعالى: كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة [آل عمران:185] .

ويأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم ويحضنا على أن نكثر من ذكر الموت حتى تنكسر حدة تعلقنا بالحياة الدنيا الفانية، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات: الموت» .

[صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/264) (ح1210]

وفي صحيح الترمذي رحمه الله: «أكثروا ذكر هاذم اللذات: يعني الموت» .

[ (2/526) حديث (2307) ، وقال حديث حسن صحيح]

خلق الموت والحياة

خلق الله جل وعلا الخلق لعبادته خاصة من جن وإنس؛ قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] .

وما خُلق هؤلاء وغيرهم ليخلدوا في هذه الحياة، فإن لها نهاية، يعلمها الله وحده، ولكل مخلوق أجلهُ فيها.

وخلق الله الموت كما خلق الحياة للابتلاء ليرى- وهو أعلم بما كان وما سيكون- أيُّ الخلق أحسن عملاً، وصدق الله العظيم إذ يقول: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور [الملك: 1، 2] .

وكان هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز مخالفًا لما كان عليه سائر الأمم السابقة؛ مشتملاً على الإحسان إلى الميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده وعلى الإحسان إلى أهله وأقاربه، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز إقامة العبودية للرب تبارك وتعالى على أكمل الأحوال، والإحسان إلى الميت وتجهيزه على أحسن أحواله وأفضلها، ووقوفه صلى الله عليه وسلم وأصحابه صفوفًا يحمدون الله تعالى ويستغفرونه - ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز عنه - ثم المشي بين يديه إلى أن يُودِعَهُ حفرته، ثم يقوم هو وأصحابه على قبره سائلين له التثبيت أحوج ما كان إليه العبد الميت، ثم يتعاهده بالزيارة إلى قبره والسلام عليه والدعاء له، وكان ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها تُرق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرًا» .

[صحيح الجامع: 2/841، ح: 4584]

والهُجْرُ: القبيح من الكلام، وأهجر به: استهزأ، وأهجر في نومه ومرضه هُجرًا: هَذَى.

ومن هديه صلى الله عليه وسلم في ذلك تعاهد المريض في مرضه وتذكيره بالآخرة وأمْرُِهِ بالوصية والتوبةِ وأمر من حضرهُ بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله، لتكون آخر كلامه، ثم النهي عن لطم الخدود، وشق الجيوب، وحلق الرؤوس ورفع الصوت بالندب والنياحة وتوابع ذلك، وسنّ صلى الله عليه وسلم الحزن على الميت والبكاء عليه بكاءً لا صوت معه، وحزن القلب، وكان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ويقول كما جاء في جزء الحديث الحسن: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يُسخط الرب» .

[صحيح الجامع: 1/565 ح: 2932، 1344]

ولذلك كان صلى الله عليه وسلم أرضى الخلق بقضاء الله تعالى وأعظمهم له حمدًا، وبكى مع ذلك يوم مات ابنه إبراهيم رأفةً منه ورحمة للولد ورقةً عليه، والقلبُ ممتلئ بالرضا عنه عز وجل وشكره، واللسانُ منشغل بذكره وحمده.

هذا هو هَدْي نبينا صلى الله عليه وسلم ، ولابد من الاقتداء به في قوله وفعله وأمره، لأنه القدوة والمثل لنا ولمن قبلنا ولمن يأتي بعدنا إلى قيام الساعة، وصدق الله العظيم القائل: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا [الأحزاب: 21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت