أيها المؤمنون، إن الغيبة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع أهل العلم وهذا يقتضي تحريم الغيبة مطلقاً ولكن وقع في كلام جماعة من أهل العلم الاستثناء لبعض الصور التي جوزوا فيها ذكر الغير بما يكره فمن ذلك المظلوم فإن له أن يتظلم بذكر من ظلمه واغتيابه عند من له قدرة على إنصافه وإحقاق حقه ومن الصور التي يجوز فيها ذكر الغير فيما يكره النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم كذكر أهل الفسق والشر والكفر والبدع ليحذر المسلمون من فسقهم وشرهم أو ليأخذوا على أيديهم ويمنعوهم من الإفساد هذه بعض الصور التي يجوز فيها الكلام عن الغير بما يكره فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى العلي الكبير حق تقواه فيما يأتي ويذر وعلى المؤمن أن يتحقق من المصلحة في الكلام عن الغير وأن يتيقن أن هذا المتكلم فيه ممن تجوز غيبته فإن اشتبه عليه الأمر فالسلامة لا يعدلها شيء ولان تخطئ بالسكوت والعفو خير من أن تخطئ في الغيبة والعقوبة والأصل أن أخاك المسلم محفوظ الغيبة مصون العرض.
أيها المؤمنون، إن على العبد المؤمن أن لا يلج في الكلام عن الغير إلا على بصيرة وأن يقصد بكلامه النصح لله ورسوله وللمسلمين قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"لابد له ـ أي لمن يتكلم في غيره بما يكره في غيبته ـ من حسن النية فلو تكلم بحق لقصد العلو في الأرض والفساد كان بمنزلة من يقاتل حمية ورياء، وإن تكلم لأجل الله تعالى مخلصاً له الدين كان من المجاهدين في سبيل الله من ورثة الأنبياء خلفاء الرسل".
أيها المؤمنون، إن الغيبة تعظم بحسب حال المغتاب فليست غيبة عامة الناس ودهمائهم كغيبة أهل العلم والتقى والصلاح قال شيخ الإسلام رحمه الله:"ولذلك تغلظت الغيبة بحسب حال المؤمن فكلما كان أعظم إيماناً كان اغتيابه أشد" (19) .
فاتقوا الله أيها المؤمنون واحفظوا ألسنتكم وصونوها فإنه من ترك لسانه مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار، فكم هم الذين تكلموا في أول الأمر بحق وهدى ثم استزلهم الشيطان فولغوا في أعراض إخوانهم زيغاً وهوى.
(1) سورة: الأحزاب: آية (70 ـ71) .
(2) سورة: البلد: آية ( 8 ـ9) .
(3) سورة: الرحمن: آية (1 ـ3) .
(4) البخاري (6477) ، ومسلم (2988) .
(5) البخاري (6478) .
(6) البخاري ( 6474) .
(7) الترمذي ( 2616) ، وابن ماجه ( 3973) ، وأحمد ( 21511) من طريق معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ بن جبل.
(8) متفق عليه: البخاري (6018) ، ومسلم ( 47) .
(9) سورة: ق: آية (18) .
(10) سورة: آل عمران: آية (181) .
(11) سورة: الحجرات: آية (12) .
(12) مسلم ( 2564) .
(13) أخرجه: ابن ماجة (3275 ) بلفظ ( الربا ثلاثة وسبعون باباً ) وأبو داود ( 4876 ) ( إنمن أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغسر حق ) وأخرجه الحاكم ( 2/37) بلفظ ( الربا بضع وسبعون باباً أهونها مثل إتيان الرجل أمه )
(14) أخرجه: أحمد ( 12927 ) ، وأبو داود ( 4878 ) من طريق صفوان بن عمرو بن هرم قال حدثني راشد بن سعد وعبدالرحمن بن جبير عن أنس وهو صحيح .
(15) أبو داود ( 4875) صححه الألباني .
(16) مسلم (49) .
(17) أحمد ( 27062) وفيه عارم اختلط في آخر عمره ، وكذا فيه شهر بن حوشب مختلف فيه.
(18) مسلم ( 2589) .
(19) انظر مكارم الأخلاق: ( ص: 214)
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله تعالى ذكره نهى الأمة المؤمنة المسلمة عن اتباع سبيل الكافرين من اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم فنهاهم عن التشبه بهم وعن تقليدهم وعن التبعية لهم في مواضع كثيرة من الكتاب الحكيم فقال تعالى: ?وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ? (1) وقال: ?وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ? (2) وقال تعالى: ? يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ? (3) وتقليد الكفار والتشبه بهم من أعظم صور الطاعة لهم .وقال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ? (4) ومضاهاتهم ومشابهتهم من أكبر أسباب حصول المودة لهم وموالاتهم ، والآيات التي تنهى وتحذر من مشابهتهم كثيرة في كتاب الله تعالى ،وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه باليهود والنصارى وغيرهم من أمم الكفر في أحاديث كثيرة فمن ذلك ما أخرجه أحمد وأبوداود بسند جيد عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ) (5) وأخرج النبي صلى الله عليه وسلم من تشبه بالكفار من دائرة المسلمين فقال: (( ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى ) ) (6) أخرجه الترمذي. وفي هذا غاية التحذير ومنتهى التنفير من مشابهة الكافرين إذ إن من شابههم فهو منهم نعوذ بالله من الخذلان .
وقد علل النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً من الشرائع والأحكام والآداب بمخالفة اليهود والنصارى وغيرهم من أمم الكفر مما يدل على أن مخالفة الكافرين مقصد نبوي شرعي فمن ذلك ما أخرجه مسلم عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم وخفافهم ) ) (7) وقال في حديث آخر: (( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ) ) (8) وقال أيضاً: (( خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى ) ) (9) ونظائر هذا في السنة كثيرة ، بل قد جعل النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة الكفار سبباً لظهور الدين وعلوه فقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبوداود عن أبي هريرة رضي الله عنه: (( لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون ) ) (10) ومن تأمل كلام أهل العلم على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم علم علماً ضرورياً بأنهم متفقون على النهي عن موافقة الكفار ومشابهتهم وعلى الأمر بمخالفتهم وذلك لكثرة ما ورد في ذلك من النصوص ولأن مخالفة الكفار وترك مشابهتهم سبب لصلاح القلوب واستقامتها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وبالجملة فالكفر بمنزلة مرض القلب وأشد ، ومتى كان القلب مريضاً لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة ، وإنما الصلاح أن لا تشبه مريض القلب في شيء من أموره"وبهذا يتبين أن مخالفتهم في جميع الشؤون مقصودة للشارع ، فليس النهي عن مشابهتهم مقصوراً على عباداتهم أو على عقائدهم بل هو عام في عاداتهم وأخلاقهم وسلوكهم وآدابهم ونظمهم وجميع شؤونهم .