فهرس الكتاب

الصفحة 8008 من 9994

[4] أخرجه أبو داود .

[5] متفق عليه .

الحمد لله المتفرد بكل كمال، تفضل على عباده بجزيل النوال، بيده الخير، ومنه الخير، فله الحمد على كل حال، وفي كل حال، في الحال والمآل.

أحمده سبحانه على ما منح من النعماء، وأشكره على واسع العطاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تقدس في الذات والصفات والأسماء، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، سيد المرسلين، وخاتم الأنبياء وإمام الحنفاء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأوفياء وأصحابه النجباء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان مادامت الأرض والسماء. أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، وطاعته فإن طاعته أقوم وأقوى .

إخوة الإيمان، إن الله جلّ جلاله خلق الإنسان، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخر له ما في الكون جميعًا لإسعاده، (( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ) ) (الإسراء:70) .

فالذي كرَّم هو الله، والذي حمل في البر والبحر هو الله، والذي هيأ وسائل السفر والانتقال عن طريق السفن والطائرات والقطارات والسيارات وغيرها هو الله، (( وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) ) (النحل:5-9) .

عباد الله، وبناءً على هذا فإنه لا يحل لنا بهذه الوسائل التي سخرها اللهُ لنا أنْ نُبَدِّلَ نعمةَ اللهِ كُفْرًَا، وذلك بالتسبب في إزهاق الأرواح وترويع الآمنين، وفي الحديث الشريف يقول النبي: (( لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلمًا ) ). [1] .

والنفس الإنسانية ليست ملكاً لصاحبها، وليست ملكاً لأحد من الناس وإنما هي ملك لله وحده ومن أجل ذلك حرم سبحانه الاعتداء عليها حتى من قبل صاحبها: (( وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) ) (البقرة:195) .

(( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) ) (النساء:29) .

(( مِنْ أَجْلِ ذالِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْراءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) ) (المائدة:32) .

ومع وضوح ذلك وجلائه لكن المؤسف أن من أبناء المسلمين من يمارس أفعالاً تلقي بالنفس إلى التهلكة، ترى أرواحاً تزهق، ونساء تترمل، وأسراُ تفنى، وأطفالاً تيتم، وأمراضاً مزمنة وإعاقات مستديمة، وآلاف الملايين من الدراهم تهدر، فواجع تصل إلى حد الهلع، وخسائر تصل إلى حد الإفلاس.

أطفال في مستقبل الحياة وشباب في نضرة العمر، ما حاله وقد فقد عائلته، وما حال المرأة وقد فقدت من يرعاها وأطفالها. وما حال الوالدين وقد زهقت روح فلذة كبدهما اليافع ، ما حال الأسرة وقد حل بها معاق مقعد عاجز عالة على أهله ومجتمعه ودولته، حسرة في القلوب، بسبب ماذا كل هذا؟ بسبب فعل متهور، وتصرف طائش وعمل غير مسؤول.

ماذا يبقى إذا هانت الأرواح واسترخصت الدماء، وإلى أي هاوية هؤلاء ينحدرون، لقد فاضت نفوس زكية ودماء بريئة.

فمتى يهتدي الضالون، ومتى يستفيق الغافلون، كل هذه المصائب، وكل هذه المآسي راجعة إلى الإخلال بحق الطريق والتفريط في آداب المسير والإهمال في قواعد المرور.

فالطريق لم يوضع من أجل أن يتصرف فيه الضالون بسياراتهم كيف يشاؤون، متجاوزين معايير الأخلاق وقواعد النظام .

إن الطريق هي مسالك الناس إلى شؤونهم ومعابرهم، إلى قضاء حوائجهم، وهي دروبهم في تحركاتهم، وتحصيل منافعهم، هي سبيلهم إلى أسواق التجارة وكسب المعاش، وهي منافذهم إلى المعاهد والمدارس ودور العلم والمساجد، وكل أنواع الحركة والتنقلات. وليست مكانا ومجالا للتهور والدوران والتفحيط وتخويف وترويع الآمنين وإزعاج المرضى والنائمين .

أيها المسلمون: إن رعاية حق الطريق وأداء حقه والالتزام بآدابه من أوضح ما اعتنى به ديننا الحنيف، فأعطوا الطريق حقه راجلين أو راكبين، فلا بد من الاطمئنان على حسن القيادة، وفقه الأنظمة وإدراك التعليمات، ودقة الالتزام بها (( وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِى الأرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الاْصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) ) (لقمان:18، 19) .

أيها الإخوة: إن حوادث الطرق حرب مدمرة بمعدات ثقيلة تنزف بها الدماء وتستنزف فيها الثروات، حرب معلنة ليس فيها إلا خاسر ومغلوب . فجل ما تستقبله المستشفيات والمقابر وما تحتضنه ملاجئ الأيتام ودور الرعاية والتأهيل هم من ضحايا التهور وعدم المسؤولية.

تقطع للأيدي، وبتر للأرجل، وكسر للعظام، موتى ومشلولون ومقعدون في صور مأساوية يصحبها دموع وآهات وتقلبات وأنّات.

مركبات متنوعة، ووسائل نقل متعددة، يُساءُ استخدامها، ويقودها من لا يقدرها حق قدرها فتحصد الأرواح، وتهدم الممتلكات.

نتائجها هلكى ومعاقون وعجزة، يهلكون أنفسهم ويرهقون اقتصادهم، ويبقون عالة على مجتمعهم وبلادهم

عباد الله: إن أرقام الحوادث مذهلة جداً . وقد دلَّت الإحصاءات على أن أعداد القتلى والجرحى والمعاقين بسبب حوادث المرورسنوياً بالآلاف وهي في ارتفاع دائم وازدياد مستمر، وكل هذا يُخلِّفُ الحسرة في النفوس، وتَبْقَى الجروحُ الغائرةُ شاهدةً على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وفي الحديث الشريف: (( التأني مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَان ) ). [2] فلا تجعل مقود سيارتك في يد الشيطان .

إن أول درس يجب أن نعيه من هذه الأرقام ونتساءل: لماذا كل هذه الأرقام وكل هذه الضحايا، ومن المتسبب فيها، وهل المتسبب يأثم عند الله إثم قاتل النفس الوارد في قوله تعالى: (( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) ) (النساء:93) .

وهل من تسبب في قتل نفسه يلحقه الإثم الوارد في قوله: (( من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يُجاء بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً أبداً ) ) [3] .

إن نفسك يا عبد الله أمانة عندك، لا يحل لك إزهاقها، فمن فعل فقد أتى جرماً عظيماً ينال عليه في الآخرة عذاباً أليماً، إلا أن يتوب كما قال: (( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد ) ) [4] أي والله لقد بلغ بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، ولكن أين من يتعظ.؟

عباد الله: والسرعةُ الزائدةُ عن حدِّها تؤدي إلى تحطيم وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، وقد نهى النبي عن إضاعة المال، وقال في حجة الوداع: (( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا ) ) [5] .

وقال: (( كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) ) [6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت