فهرس الكتاب

الصفحة 2943 من 9994

#الشباب بين الحماسة والكياسة

الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

المقدمة

أول ما نبدأ به من حديثنا ، حديثنا عن عنوان هذه المحاضرة ، ولا شك أننا سنحاول أن نجعل حديثنا في نقاط محددة ، وفي تعليقات مختصرة ؛ لأن الموضوع رحب الجوانب .. متعدد الشعاب .. كثير الفروع دقيق المآخذ مما يجعل الاسترسال في بعض فروعه يحيف باستكمال الموضوع في بقية جوانبه .

أولاً: التعريفات والمصطلحات

الشباب:

في معاجم اللغة يقولون:"الشباب الفتاء والحداثة"، وذكر صاحب تاج العروس عن محمد بن حبيب ، تحديدات للفئة العمرية التي تتصل بالشباب ، ومن محاسن ما ذكره أنه قد وسع في بعض الأحوال ، فيجمع من هم في المصطلح العام خارج دائرة الشباب ، فقد نقل عن محمد بن حبيب: أن الشباب يمتد من سن السابعة عشر حتى الحادية والخمسين ، وبعد ذلك هو شيخ .

ونحن بهذا في هذه القاعة جميعاً شباب ، وربما هذا يقربنا إليكم حتى لا تقولوا قد جاؤا ليئدوا هذه الحماسة أو يطفئوا جذوتها ، أو يزيدوا من عقلانيتهم بحسب تقدم سنهم ، لكنه أردف بعد ذلك الأقوال الأخرى، فقال فيما قاله: أنه من البلوغ حتى يكمل الثلاثين ، وقيل: ابن الست عشرة سنة إلى ثنتين وثلاثين ثم هو كهل ، فهذا كأنكم لم تسمعوه ، ونحن باقون على العهد الأول لنكون جميعاً شباباً إن شاء الله ، ولنا عود إلى معنى الشباب في بعض نقاطنا الأخرى .

أما الحماسة: فهي أصل في اللغة يدل على الشدة والحماسة والشجاعة والشدة .

والتحمس: هو التشدد ، يقولون في اللغة:"حمس بالشيء إذا تعلق وتولع به"، والأحمس: هو الورع من الرجال المتشدد في دينه ، وكذلك جاء في لسان العرب: أن الأحمس هو الشديد الصلب في الدين والقتال ، والكلام في هذا يطول خلاصته التي يمكن أن نخلص بها إلى تعريف محدد أو واضح: أن الحماسة تعلق وولع بالأمر يدعو إلى التشدد فيه ، والجرأة والشجاعة في إنفاذه ، فهو يبدأ بشعور وعاطفة وتعلق ، نبثق منه حينئذٍ تغير وسلوك نفسي يتولد من خلاله جرأة ترجم إلى شجاعة في إنفاذ الأمر وعدم التساهل أو الترخص فيه .

وأما الكياسة: فهي أصل يدل على ضمّ وجمع ، ومنه الكيس الذي تجمع فيه الأشياء ، والكيّس في الإنسان ضد الخرق أو ضد الحمق ؛ لأنه كما قال ابن فارس في معجمه [ مجتمع الرأي والعقل ] :"الكياسة هي خلاصة الرأي والعقل"، ولذلك يقولون:"الكيس العقل والفطنة والفقه"، والكيس في الأمور يجري مجرى الرفق فيها، والكيس: هو الظريف الخفيف المتوقد الذهن ، ورجل كيّس الفعل أي حسنه .

ومن هذه الومضات أيضاً نقف إلى خلاصة نقول فيها: إن الكياسة هي عقل وفطنة تقود إلى الرفق في الأمور والإحسان في أدائها دون حمق .

وإذا نظرنا إلى هذه المعاني نريد أن نبين أنها ليست متقابلة بمعنى ليست متضادة ، وإنما كل منها يعطي دلالة في جانب من الجوانب ، وجانب الحماسة تعلقه بالعاطفة والشعور والحمية وجانب الكيس والكياسة متعلق بالعقل والرفق والرشد ، ولا يعني أن يكون العاقل ليست له عاطفة ، ولا يعني - كذلك - أن يكون المتحمس طائشاً لا عقل له ولا رشد عنده ، وهذا هو الذي نريد أن نعالجه ، أو هذه - إذا صح التعير - هي المعادلة التي نحب أن يكون في طرفيها إتزان كما هو شأن المعادلات كلها .

عندما نخص الآن العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة المجتمعة في عنواننا هذا لابد أن يثور السؤال: ما صلة الشباب على وجه الخصوص بالحماسة ؟ وقد قدم الدكتور بأن الشباب فيه قوة وفتوة ، ونحن نرى ونعلم جميعا أنه إذا ذكرت الحماسة جاء في الذهن الشباب ، وأنه إذا ذكرت الكياسة جاء في الذهن الشيوخ .. إنطباع تغليبي ولكنه ليس إقصائي كما أشرت من قبل .

ثانياً: الشباب والحماسة

لماذا يتحمس الشباب؟

وهل الحماس في الشباب عيب ؟ أو شيء طارئ أو أمر غريب ؟

نقول: إن الحماسة في الشباب أمر طبيعي لعناصر كثيرة منها:

1-الحيوية والقوة

أن الشباب فيه حيوية وقوة ، والله - سبحانه وتعالى - كما جاء في التقديم قال:

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً} [ الروم: 54] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت