فهرس الكتاب

الصفحة 2944 من 9994

فالشباب قوة بين ضعفين ، وانطلاقة بين هدوءين أو سكونين ، وحركة واندفاع بين جانبين فيهما من الهدوء والسكينة ما فيهما ، وحتى من الناحية الطبية نعلم أن الفئة العمرية في فترة البلوغ ما يزال الخلايا والأعضاء تزيد وتنمو وتعظم وتتكاثر ، وهذا أمر بيّن ، وإذا رجعنا حتى إلى اللغة تسعفنا هذه المعاني بشكل واضح ؛ لأن الاشتقاق اللغوي لأصل شبّ وهو أصل الشين والباء في اللغة يدل على نماء الشيء وقوته في حرارة تعتريه ، وهذا يدلنا على طبيعة الامتزاج بين الحيوية والحرارة والقوة وطبيعة الشباب ، ومن ذلك قولهم: شبت النار أو شببت الحرب ، ثم - كما يقول ابن فارس -"ثم اشتق الشباب منه ، وهو النماء والزيادة في قوة جسمه وحرارته"، ولذلك نرى هذا الأمر واضحاً ، وأن من طبيعة الشباب الفطرية ، بل والخلقية البدنية أو ما يسمى بالبيولوجية - أي الطبيعية الفيزيائية - أنه بطبيعة خلقته في هذه الفترة العمرية فيه نمو وزيادة وشيء مما يزداد قوة ويزداد ..

ومن هنا فالحماسة قرينة الشباب بدون أن يكون هناك افتعال لها ، أو تكلف فيها أو تطلب لأسبابها ، بل هي قرينة الشباب من هذا الوجه .

2-الإرادة والتحدي

من طبيعة هذه الفترة العمرية أن فيها عزيمة صلبة ، وإرادة قوية .. من خصائص الشباب قبول التحدي بل والتعرض له ، والبحث عنه ، والثبات عليه ، ولو أننا أردنا أن نأخذ أمثلة ، والأمثلة اعذروني ستكون دائماً محدودة ؛ لأننا لو تشعبنا فيها يضيق المقام عن ذكر ما وراء ذلك .

قصة لابن مسعود ، وأنتم تعرفون ابن مسعود !كان من صغار الصحابة وشبابهم ، وكان إلى ذلك نحيل الجسم دقيق الساقين ، وكان الصحابة يضحكون من دقة ساقيه في الفترة المكية العصيبة التي كانت فيها المواجهة قاسية وشديدة وشاملة من قريش ضد المسلمين ، وفي جلسة بين بعض المسلمين كانوا يتداولون فيما بينهم من يمكن أن يقرأ القرآن ويصدع به في نوادي قريش ، وهي عملية تحد كبيرة وعملية تحتاج إلى قوة إرادة ، وصلابة عزيمة ، فانتدب لذلك ابن مسعود - الشاب النحيل - وذهب إلى منتدى قريش في البيت الحرام ، وصدع بآيات القرآن يقرؤها بين ظهرانيهم ، وإذا به كما هو متوقع ولم يكن هو يظن أن ذلك سيعجبهم ، بل كان يعرف ما يترتب على ذلك عمدوا إليه وضربوه ، وأثخنوه بالجراح ، ولعلنا نقول بعد هذا الحدث أنه قد أخذ درساً كافياً ، لكن ما الذي حصل ؟ في اليوم الذي يليه عندما تداول المسلمون تلك الحادثة قال:"أما لو شئتم لأعاودنهم بها"فهي طبيعة الإرادة القوية والتحدي ؛ لأن نفس الشاب دائما فيها هذه الحيوية التي تأبى في الجملة أن تلين ، أو أن تهادن ، أو أن تتراجع ، بل تريد دائماً أن تثبت نفسها ، وأن تظهر قوتها ، وأن تصرّ على رأيها ، وأن تثبت على مبدئها ، وأن تكون نموذجاً ينسجم مع طبيعة التفاعلات والمشاعر النفسية والعواطف الجياشة التي تمور بها النفس .

3-الأمل والطموح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت