إنَّ أمريكا اليومَ تمكُرُ بالمسلمينَ وتُخادِعُهم، واللهُ يمكُرُ بهم، ( وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) ولعلَّ من مكرِ اللهِ بهذهِ الدولةِ الطاغيةِ أنَّها الآنَ جاءت لتصطلي بنارِ البعثِ، ويصطلي هُو بنارِها ، ولعلَّ اللهَ يرحَمُ مَن بينهم من المسلمينَ المُستضعَفِين ، واللهُ غالبٌ على أمرهِ، ومن يُغالبُ اللهُ يُغلب، وهُو المهزومُ المدحُورُ الهالكُ لا محالة، ( قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم .. )
أيَّها المسلمون: ومع ما في هذهِ الأحداثِ من مرارةٍ وأسى ، فلنعلم أنَّ فيها خيراً كثيراً، بل هِيَ أولُّ بشائرِ النصرِ والغلبةِ إن شاءَ الله، فهيَ تُبشِرُ بولادةٍ جديدةٍ لهذه الأمة، ولادةٌ تُرفعُ فيها راياتُ الجهادِ، وتُقَالُ فيها كلمةُ الحقِّ، ويَضعُفُ فيها جانبُ الكُفرِ والنفاق، ( وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) .
إنَّ من نعمِ اللهِ على هذهِ الأمةِ أن يبتليها بالمصائبِ لتعودَ إلى دِينها وربِّها ، ومن الخيرِ للأمةِ أن يبتليها اللهُ بالضراءِ كما يبتليها بالسراء، ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) 0
أيُّها المسلمون: أبشروا وأمِّلوا ، فهاهِيَ الجنةُ تُزفُ إليكم ولا تَهِنُوا ولا تحزنُوا وأنتم الأعلونَ إن كُنتم مُؤمنين، هاهيَ رأسُ الكُفرِ ورائدةُ الظُلمِ قد ألقت إليكم بفلذاتِ أكبادِها وبأحسنِ أسلحتِها وعتادِها، فعسى اللهُ أن يجعَلها غنيمةً للمُسلِمِينَ تفاؤلاً بقولِ الحق ( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم .. ) 0
إنَّ نصرَ اللهِ قريبٌ لمن ينصرُ دينَ اللهِ، لكنهُ لا يُقَدَمُ على صحنٍ من ذهب، أو باقةٍ من زُهور، وإنَّما يحتاجُ إلى تضحياتٍ وجهادٍ مستمر، وخروجٍ عن مألوفِ حياةِ الترف 0
لابُدَّ أن نُوقنَ أنَّ ما يحدثُ هُو بإرادةِ اللهِ وقضائه، وأنَّهُ وحدهُ هُو المتصرفُ في هذا الكونِ ولهُ الخلقُ والأمر، فليكن يقِينُكَ صادقاً بذلكَ علماً وعملا بتفردِ اللهِ سُبحانَهُ بالأمرِ، بعيداً عن أسطورةِ أنَّ النصرَ محققٌ لأمريكا أو لغيرِها، أو أنَّها هيَ التي تتصرفُ في الكون، واعلم أنَّ الأمورَ بنهايتِها وليسَ ببداياتها، فقد تنتصرُ أمريكا فترةً من الزمنِ، ثُمَّ يُخرجُ اللهُ قوماً مُجاهِدِينَ صادقين، يُعذِبُ اللهُ جيوشَ الكفرِ بجهادِهم، ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب .. ) 0
وإلى أن تأتي ساعةُ النهايةِ لدولةِ الكُفرِ والطُغيانِ، فلا بُدَّ من العملِ والاستعدادِ والتغييرِ والسعي في الصلاحِ والإصلاح، وأن لا نظلَ مُتكِئينَ على الأرائكِ ننتظرُ صاعقةً من السماءِ تحرقُ أمريكا وجنودَها 0
ولا بُدَّ أيُّها المُسلمونَ من الاستمرارِ في الدعاءِ في كلِّ وقتٍ وحين، ولنحذر من المُثبِطِينَ المُخذِلينَ، واتق الله أن تخذلَ إخوانَكَ في محنَتِهم، فيتخلى اللهُ عنكَ أحوجَ ما تكونُ إليه 0
إنَّ من العارِ أن لا تشعرَ الأمةُ كُلَّها بالخطرِ، فتفزعَ إلى الدعاءِ واللجئو إلى الله ، فادع أخي ربكَ في ظُلمةِ الليلِ وأوقاتِ الإجابة ، وارفع يديكَ صادقاً بالدعاء، فلعلَ دعوةً مستجابةً يرفعُ اللهُ بها البلاءَ عن الأمة 0
إيَّاكَ والمللُ والاستعجالُ.
فإنَّ سِهامُ الليلِ لا تُخطيء ولكن لها أمد وللأمد انقضاء والدعاءُ يرفعُ البلاءُ أو يدفعهُ أو يخففه، فلا تيأسوا من نصرِ اللهِ الكريمِ ولطفهِ وإجابته 0
ما يدريكَ ، لعلَّ دعواتكَ هي التي أسقطت طائراتِهم ، وهي التي أرسلت الريحَ على جنودِهم، وهي التي أخرت انتصارهم، وما يُدريكَ، لعللَ دعوتَكَ قد صرفت شراً وكيداً قد خَططَ لهُ الأعداء 0
كُن على يقينٍ بنصرِ اللهِ ولا تغرنَّكَ قوةُ العدوِّ، فما من يدٍ إلاَّ يدُ اللهِ فوقَها ، وأكثر من قول: ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) وعلمها أهلُ بيتكَ وجيرانِكَ ، فاللهُ كافي المؤمنينَ وحافظهم 0
اللهمَّ إنَّا نسألُكَ وأنت القويُ القادرُ، وأنتَ العزيزُ القاهرُ أن تُنزلَ على أمريكا وحلفائِها عذاباً من عِندِكِ، وأن تُسلط عليها جُنداً من جُندك...
الخطبة الأولى
( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا) أحمده حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ويرضى ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ أنزل القرآن للتعبد بتلاوته ، وتدبر آياته ، والانتفاع بعظاته ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ) وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ؛ آتاه الله تعالى الحكمة والكتاب ، وشرفه بالدعوة إلى الهدى والإيمان ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله عز وجل ، وبالعمل الصالح الذي ينفعكم في دنياكم وأخراكم ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقوني يا أولي الألباب ) .
أيها الناس: في القرآن من العظة والعبرة ما ليس في غيره من كلام الناس ، وقصصه وأمثاله ليست كالقصص والأمثال الأخرى ، فلا يذكر فيها إلا ما يحتاجه المكلفون مما يكون به صلاحهم في الحال والمآل ، وما لا فائدة من معرفته فإن القرآن العظيم أهمل ذكره ، وطوى عن الناس خبره ، وهذا سبب من أسباب عدم الملال من تكرار القصة في القرآن ، وكم يكرر المسلم في حياته من سورة يقرءوها ، أو قصة في سورة ، أو مثل مما ضربه الله تعالى للناس ، وما يمل من ذلك ، ولو كرر قصة من القصص البشرية أو مثلا من أمثال الحكماء لمل ذلك.
وسورة الكهف قد امتازت عن غيرها من السور بميزات عدة، وجاء فيها من الفضل والأجر ما لم يأت في غيرها ، وإن كانت بعض السور أفضل منها كسورتي الفاتحة والإخلاص.
وسورة الكهف هي سورة يوم الجمعة ؛ لأن المسلمين يقرءونها فيه ؛ إتباعا للسنة ، وتحريا للفضل ، وطلبا للنور الذي يضيء لقارئها ما بينه وبين البيت العتيق ، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وسورة الكهف قرأها أحد الصحابة رضي الله عنهم فوقعت له كرامة عظيمة وهو يقرأها ؛ كما روى الشيخان من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: ( كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشَطَنَين فتغشَّتُه سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفِر ، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن )
وحفظ الآيات العشر الأولى من سورة الكهف ، أو قراءة الآيات العشر الأخيرة منها سبب للعصمة من أكبر فتنة في البشرية ، وهي الفتنة بالدجال ، وكل ذلك ثابت في أحاديث صحيحة ، ولم يرد مثل ذلك في غيرها من السور والآيات.
إن سورة الكهف قد عرضت لأربع قِصص فيها من العظة والعبرة ما فيها ، وهي قصة أصحاب الكهف التي سميت السورة بها ، وقصة صاحب الجنتين ، وقصة موسى مع الخضر عليهما السلام ، وقصة ذي القرنين رحمه الله تعالى ، وكل واحدة من هذه القصص الأربع قد عالجت فتنة من كبريات الفتن التي يسقط فيها كثير من الناس ، فلا غرو أن تكون آيات منها سببا للعصمة من أكبر الفتن وهي فتنة الدجال.