الكاتب: علي الكثيري
التاريخ: 1/9/1426
ينظر بعض الدعاة إلى الله تعالى إلى أن الدعوة إلى الله يجب أن تقدم في كل المجامع والميادين - فقط هكذا - دون تفكير في ترتيب للأولويات ، أو بحث عن الثغرات التي يمكن للدعوة أن تنفذ من خلالها ، وهذا الأمر على أنه يدل على صدق في حماسة قائليه إلى أنه لا يخلو من الخطأ الذي يؤثر على الدعوة إلى الله تعالى ، فيسير بها سيراً بطيئاً لا يتواكب من توسع المجتمعات ، وتعدد مجالاتها .
فالذي يسير بالدعوة إلى الله تعالى بدون تخطيط وتحديد للأهداف وترتيب للأولويات ، هو أشبه ما يكون بمن يراوح في مكانه ، فلا هو الذي أنجز أمراً محسوساً ، ولا بالدعوة التي توسعت ، وهو أشبه بمن يقول في أمر الدعوة إلى الله تعالى: قل كلمتك وامش .
وفي هذا العرض سأذكر جانباً من ترتيب الأولويات في الدعوة ، ألا وهو اختيار المدعو ، فمن الذي يتم اختياره أولاً ، ومن الذي يؤخر اختياره ، مع العلم بأن هذا الترتيب يمكن استخدامه في حال أن الدعوة إلى الله تعالى تسير في خط تأسيسي ، وأن الظروف التي تمر بها مستقرة ، أما في حالات الضغط على الدعوة ، أو في حالات الفرص والحاجة إلى اغتنامها ، فإن هذا ما يقدره الداعية إلى الله تعالى بنفسه ويشاور من يثق من إخوانه ، وليس الترتيب هنا معنا أن نتمسك بالأفضل ونلغي من حساباتنا المفضول ، فهذا خطأ في الدعوة إلى الله تعالى:
1.الصغير والكبير:
إن المنطق في مجال التربية هو أن الصغير أكثر إقبالاً وقابلية للتعلم والتربية من الكبير الذي شب عن الطوق وأصبحت له مسؤولياته وارتباطاته ، وذلك أن الصغير ألين في التعامل معه حيث أنه لم يصلب عوده على فكر أو سلوك معين ، ولذا فإن الداعية إلى الله تعالى لا يبذل معه كثيراً من الجهد ، فهو أرض خصبة تقبل كل ما يلقى فيها ، فإن سبق الداعية إلى هذه الأرض أنبت فيها فإذن الله تعالى نباتاً حسناً . وبتأمل بسيط في السيرة النبوية وسير الأنبياء والدعاة ، دائماً ما يجد أن أوائل الدعوة إلى الله تعالى إنما تسير على أيدي الصغار قبل الكبار ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان من أوائل من آمن به الكثير من الصبية صغار السن رضي الله عنهم ، وموسى عليه السلام آمن معه الذرية وهم الصغار ، قال الله تعالى فيه: ( فما آمن لموسى إلاّ ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم ) يونس:83 .
2.القريب والبعيد:
كيف ينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يضع كل اهتمامه الدعوي فيمن هم بعيدون عنه ويترك أهله وإخوته وأقرباءه دون دعوة ، إنه هذا الأمر خاطئ ، وقد كان أول ما نزل من تكليف لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن الدعوة إلى الله هو قوله تعالى: ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، فهم الأولى في الدعوة والتوجيه ، وتكوين البيت المسلم قبل تكوين المجتمع المسلم ، لما في ذلك إعذار أمام الله في دعوة ونصح أهله ، ثم أنه لا يجعل لأحد على الداعية مأخذاً في فساد من حوله ، وهو يدعو الناس ويوجههم إلى الله .
3.المعروف وغير المعروف:
وكثيراً ما يُغفل عن هذا الأمر ، فنجد أن الاهتمام بالتعرف على شخص ما ، التقى به الداعية في مكان ما ، على شخص آخر يعرفه الداعية ويعرف طباعه وسلوكه ، ويلتقي به باستمرار ، ولكن دون تفكير في دعوته ، ومن هذه الأمثلة نرى زملاء العمل ، وكذلك زملاء الدراسة ، وأيضاً جيران الحي ، والمصلون في مسجد الحي ، وغيرهم كثير من الأمثلة ، ولكن الغريب أن الداعية لا يخوض معهم ممارسته الدعوية بالرغم من أن هؤلاء قد قطع معهم - بطبيعة التقائه المستمر به - شوطاً كبيراً من التعرف وإزالة الحواجز ، وهو ما يحتاجه باستمرار مع أي شخص يفكر الداعية أن يوجه إليه دعوته .
4.المنتمي وغير المنتمي:
في مجتمعاتنا الآن تكثر الاتجاهات والأفكار والمذاهب والتحزبات ، بخيرها وشرها ، وكذلك يكثر المنتمون إليها ، وأيضاً يكثر من لا ينتمون إلى شيء منها ، والأولى بالداعية إلى الله أن يوجه تركيزه لمن هم في غير دائرة الانتماء ، لأن هذا الشخص لا يحتاج إلى جهد كبير في الدعوته وتوجيهه وتصحيح مساره ، أما المنتمي فإن الاحتياج يتضاعف بقدر ما يكون عمقه وتعمقه في انتمائه .
وأخيراً .. أؤكد بأن هذه المفاضلات ليس من الصواب التمسك بالأفضل فيها على حساب المفضول دائماً ، ففي كل خير ومن كل للدعوة نفع إن شاء الله تعالى ، وإنما الداعية يحتاج إلى هذه المفاضلات حين يكون في طور تأسيسي يحتاج إلى التوسع ، وهذا التوسع غالباً ما يحتاج إلى سرعة في العمل والإنجاز ، وإنما هذه السرعة تتحقق بسلامتها حين تتبع الأولويات ..
والله ولي التوفيق