فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
هذا هو الشيء المطلوب، وهذا هو الذي يريح قلب المؤمن، ويدخل السرور على نفسه، فإننا لسنا مطالبين بأن نكون أقوى من الكفار، ولا حتى بأن نماثلهم، ولا حتى بأن نكون قربهم، بل علينا أن نعد ما نستطيعه، ثم نجاهد، وسينصرنا الله جل وعلا.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويرفع, ويضر وينفع, ألا إلى الله تصيرُ الأمور. وأصلي وأسلم على الرحمةِ المهداة, والنعمة المسداة, وعلى آله وأصحابه والتابعين, أما بعدُ:
فأيها المسلمون: فإن من أهم أسباب النصر أيضاً الثقة بالله سبحانه وتعالى والثقة بوعده: وأنه سبحانه سيعلي هذا الدين وينصره ويمكن له في الأرض إن عاجلاً أو آجلاً، فإن حساب الزمن ليس عند الله شيء، فمن المعلوم أن اليوم عند الله يساوي ألف سنة مما نعد نحن، فلا ننظر بمنظار الأعمار البشرية، بل ننظر إلى المنهج الذي ينتصر ويبقى، وننظر إلى الزبد الذي يذهب جفاء في الأرض .
لابد أن نكون واثقين من أن الله سينصر هذا الدين مهما ضيق عليه، ومهما حورب دعاته، ومهما وقف في وجوههم، ومهما وضعت في طريقهم العراقيل؛ فإن النصر حليفهم إن عاجلاً أو آجلاً، فالحق يبتلى أولاً، ثم يمكن له وينصر .
وكم من الدعاة والمجاهدين والعلماء ابتلوا حتى ظن الناس أنهم قد هلكوا وفشلت دعوتهم، فإذا بهم تنقلب في طريقهم المحن إلى منح، ويضع الله لهم القبول في الأرض والتمكين والنصر .
و من أهم أسباب النصر التي ينبغي أن يعرفها المؤمنون حتى لا يصابوا بشيء من الإحباط: كون الأمة في مستوى النصر بإمكاناتها بقدراتها بعزائمها ونياتها: كيف ذلك ؟
الأمة- أحياناً- قد تحارب ولكنها لا تكون في مستوى النصر، فيؤخر الله النصر قليلاً حتى يرتفع مستوى هذه الأمة وتصبح قادرة على تحمل أعباء النصر الذي سيمنحه الله إياها إذا جاء وقته ، يقول الله سبحانه: (( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) (الحج: 40) .
من هم يا رب ؟
(( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) ) (الحج: 41) .
(( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ ) )إذن: ها هنا نيات وعزائم في القلوب لا يطلع عليها إلا علام الغيوب .
(( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ) )هذا مستقبل (( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ) )ربما يوجد من المؤمنين من لو مُكن في الأرض لترك بعض أمور الدعوة، وما أقام الصلاة وما آتى الزكاة، أو ربما يقوم بالصلاة ويؤدي الزكاة، ولكنه لا يقوم تمام القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ربما يتنازل عن بعض الأمور الأساسية، ربما يتحالف مع الشيوعيين، ربما يتحالف مع علمانيين من أجل مكاسب.. هذا لا يستحق النصر.
أيضاً من أهم أسباب النصر: الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذان الأمران سياجان حافظان لهذه الأمة، فالجهاد يحفظها من الخارج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحفظها من الداخل، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحفظ السفينة من أن تُخرق ثم بعد ذلك تغرق، والجهاد يحفظ الأمة من أن تستذل، أو أن يهينها العدو، فما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا، قاعدة قالها أسلافنا رحمهم الله، و رضي الله عن علي إذ قال: (( ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا كتبت عليهم الذلة ) ).
اللهم آمنا في الأوطانِ والدور وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله وأصلحوا أعمالكم وراقبوه فيما تعملون أو تدعون، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) (الحشر:18) .
عباد الله كثيرا ما يسأل المرء منا نفسه ماذا وكم عمل؟ وقليلاً ما نسائل أنفسنا وكيف كان عملنا ومدى قربه أو بعده من هدي نبينا ؟. وهذا من جهلنا وتقصيرنا بحقيقة العبادة التي يريدها الله منا، فإن المعول عليه في العبادات كلها إخلاصها وصحة أدائها، لا مجرد الإتيان بها وكثرتها، ولقد بين الله في كتابه الكريم أنه خلقنا ليبلونا أينا أحسن عملا، قال تعالى في سورة هود (( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) ).
وقال في سورة الملك (( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) ) (الملك:2) .
ذلك لمن كان يرجو لقاء ربه كما قال في سورة الكهف: (( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) ) (الكهف:110) . قال العارفون في معنى"أحسن عملا"أي أصوبه وأخلصه.
وحتى نبلوا أنفسنا ونصحح أخطاءنا تعالوا بنا لنقف على مواقعنا في عبادة من أهم العبادات وأكثرها تكرارا في اليوم والليلة هي أول ما سنحاسب عليه، وهي آخر ما نفقد من ديننا، إنها الصلاة، كتاب الله المفروض على المسلمين، والحد الفاصل بينا الإسلام والكفر.
ولن يكون حديثي هذا اليوم عن فريضة الصلاة ووجوبها، وليس الحديث موجها لأولئك النفر القلة المضيعين للصلاة والمفرطين في الواجبات، لكنه حديث موجة لنفر من المسلمين المحافظين على الصلاة بأوقاتها ومع جماعة المسلمين، أولئك الذين يرجون رحمة الله، ويرغبون في معرفة أخطائهم، ويتطلعون إلى الاقتداء بخير البرية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
وحيث سبق الحديث عن الخشوع بمفهومه العام، وحاجتنا إليه، فحديث اليوم عن الخشوع في الصلاة، لب الصلاة وروحها، وهذا الخشوع الذي افتقده كثير من المصلين، ولم تقف المصيبة بفقده عند عوام الناس، بل شملت الخواص- إلا من رحم الله- وسار داء فقد الخشوع حتى شمل النساء إلى جانب الرجال، والصغار إلى جانب الكبار، ولم تكن البلية بعدم الخشوع في الصلاة حدثا طارئا بل وجد فيمن قبلنا... ولكن بنسب متفاوتة، وكلما شاع الجهل وقل التقى، واشتغل الناس بالدنيا عن الدين كلما اتسعت الهوة وقل الخشوع في العبادة، ولئن صحت نسبة القول إلى أحد السابقين"يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلا خاشعا [1] فهي البلية الكبرى والمصيبة العظمى. وعلى كل حال فما من شك أن غياب الخشوع في الصلاة ظاهرة خطيرة وداء يستحق الوقفة، ويستوجب العلاج، وذلك لأمرين هامين:"
الأمر الأول: أن الصلاة ميزان لقبول الأعمال أوردها، يقول عليه الصلاة والسلام: (( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله ) ) [2] .