السيرة النبوية, نواقض الإسلام
سعود بن إبراهيم الشريم
مكة المكرمة
المسجد الحرام
ملخص الخطبة
1-نظرة إلى المجتمع الجاهلي قبل الإسلام. 2- الحج في الجاهلية مزيج بين التوحيد والوثنية والفضائل والرذائل. 3- خطبة حجة الوداع. 4- لفظة الجاهلية في القرآن. 5- أمر الله المسلمين بمخالفة مسائل الجاهلية. 6- من مسائل الجاهلية المنبوذة الشرك والفرقة والتفاخر وتحاكم إلى غير شرع الله.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فوصيتي لنفسي ولكم عباد الله هي تقوى الله سبحانه ، في السر والعلن ، والسفر والحضر ، والفرح والحزن ، في خلواتكم وجلواتكم إن الله يحب المتقين .
أيها الناس:
لقد ابتليت المجتمعات الجاهلية في غابر الأزمان ، برجس الأصنام والوثنية ، والخمر والميسر، والأنصاب والأزلام ، يتخرج منها رجال ونساء ، في الشرك والتضليل ، والجهالة والعبْيَّة الجاهلية ، حتى لقد أصبحت مقاصد الحج عندهم عبارة عن تجمعات مكثفة ، في سوق عكاظ، يقصدها الناس من شتى أنحاء البلاد ، وكان يقام فيها السوق ، شهر ذي القعدة نحوا من نصف شهر ، ثم يأتون بعد ذلك موضعا دونه إلى مكة ، يقال له: سوق مجنة ، فيقام فيه السوق إلى آخر الشهر ، ثم يأتون موضعا قريبا منه ، يقال له: ذو المجاز ، فيقام فيه السوق إلى يوم التروية ، ثم يصدرون إلى منى .
كانت تجتمع في هذه الأسواق قبائل العرب ، ووفود ملوكهم ، بالهدايا والقرابين إلى الأصنام ، يتناشدون الأشعار ، ويفتخرون بالسلب والنهب ، وقتل الأنفس البريئة دون ما ذنب أو جريمة، ويمارسون وأد البنات إبان حياتهن ، ويعدون ذلك من المكرمات ، التي تهون دونها الحرمات.
عباد الله:
لقد كانت مواقف الجاهلية في الحج ، مواقف مخزية ، إنما هي خليط ممزوج ، من الأضداد والمتناقضات ، يظهر ذلك جليا في بعض المواقف المتكررة ، ومن ذلك مثلا تلبيتهم في الحج، التي يخلطون معها الشرك فيقولون: لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك .
وكانت قبيلة عك إذا خرجت حاجة ، قدمت أمامها غلامين أسودين من غلمانهم ، فكانا أمام ركبهم فيقولان: نحن غرابا عك ، فتقول عك من بعدهما: عك إليك عانية ، عبادك اليمانية ، كيما نحج الثانية ، هذه هي تلبيتهم .
ولقد كانت قريش ومن دان بدينها ، يقفون بالمزدلفة ، وسائر العرب يقفون بعرفات ، حتى أنزل الله على رسول ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس [سورة البقرة:199] .
ومن مظاهر الجاهلية في الحج - عباد الله - ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما بقوله: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ، ويحمل الحمالات ، ويحمل الديات ، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم فأنزل الله: فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً [سورة البقرة:200] .
وفي خضم الجاهلية الجهلاء يمن الرب الرحيم القادر الحليم على عباده ، بالنبي الختم ذي النفس الطاهرة ، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، فأنزلت آيات الكتاب المتلوة ، وأبلغ الرسول دعوته ، فسمع الأصم نبراته ، وأبصر الأعمى آياته ، جاء البشير النذير والسراج المنير ، فاقتلع الوثنية من جذورها واستأصل شأفتها ، بعد أن سفه أحلامهم وعاب آلهتهم في مدة من الزمن وجيزة هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [سورة الجمعة:2] .
ويمن الله عليه بفتح مكة ، وتحطيم ما فيها من أصنام وأوثان ، ثم يرسل أبا بكر في السنة التاسعة حاجا ، لينادي بالناس ، ألا يحج بعد العام مشرك ، وألا يطوف بالبيت عريان ، ثم يأتي صلوات الله وسلامه عليه حاجا في السنة العاشرة ، ليختم دعوته ، بلقاء حافل مع جموع المسلمين ، في عرصات المشاعر المقدسة ، ويقول لهم: (( خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ) )، وفي عرصات عرفة ، في اليوم الذي أكمل الله فيه دينه وأنزل قوله اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً [سورة المائدة:3] .
في يوم عرفة عباد الله ، يرى الحبيب أن هذا الجمع العظيم ، وهذه القلوب الصافية الخاشعة، فرصة عظيمة ؛ لأن تعي ما سيقول لها ، من قواعد عظيمة ، ربما عدوها وصية مودع مشفق ، فيقف على راحلته ، ويخطب الناس خطبته المشهورة ، كما جاء في السنن لأبي داود وابن ماجة وغيرهما ، فكان مما قال فيها: (( ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أضع من دمانا ، دم ابن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب ، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع كله ، وأول ربا أضع ربانا ، ربا العباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله .. ) )الحديث .