فهرس الكتاب

الصفحة 3492 من 9994

#القابضات على الجمر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله الذي أسكن عباده هذه الدار .. وجعلها لهم منزلة سفر من الأسفار .. وجعل الدار الآخرة هي دار القرار .. فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار .. ويرفق بعباده الأبرار في جميع الأقطار .. وسبق رحمته بعباده غضبه وهو الرحيم الغفار ..أحمده على نعمه الغزار ..وأشكره وفضله على من شكر مدرار ..وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار ..وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي المختار ..الرسول المبعوث بالتبشير والإنذار صلى الله عليه وسلم .. صلاة تتجدد بركاتها بالعشي والأبكار ..

أما بعد:

فهذه رسالة .. رسالة .. إلى القابضات على الجمر ..

رسالة .. إلى أولئك الفتيات الصالحات .. والنساء التقيات ..

حديثٌ .. إلى اللاتي شرفهن الله بطاعته .. وأذاقهن طعم محبّته ..

إلى حفيدات خديجة وفاطمة .. وأخوات حفصة وعائشة ..

هذه أحاسيس .. أبثها ..إلى من جعلن قدوتهن أمهات المؤمنين ..

وغايتهن رضا رب العالمين ..إلى اللاتي طالما دعتهن نفوسهن إلى الوقوع في الشهوات ..

ومشاهدة المحرمات .. وسماع المعازف والأغنيات ..

فتركن ذلك ولم يلتفتن إليه .. مع قدرتهن عليه .. خوفاً من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار ..

هذه وصايا .. إلى الفتيات العفيفات .. والنساء المباركات .. اللاتي يأمرن بالمعروف .. وينهين عن المنكر .. ويصبرن على ما يصيبهن ..

هذه همسات .. إلى حبيبة الرحمن .. التي لم تجعل همها في القنوات .. ومتابعة آخر الموضات .. وتقليب المجلات .. وإنما جعلت الهموم هماً واحداً هو هم الآخرة ..

هذه رسالة .. إلى تلك المؤمنة العفيفة التي كلما كشر الفساد حولها عن أنيابه .. رفعت بصرها إلى السماء وقالت: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ..

هذه رسالة .. إلى القابضات على الجمر اللاتي قال فيهن النبي صلى الله عليه وسلم:( يأتي على

الناس زمان يكون فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر )..

رسالة .. إلى المرأة الصالحة التقية .. التي قدمت محبة الله وأوامره .. على تقليد فلانة أو فلانة .. فأصبحت غريبة بين النساء بسبب صلاحها وفسادهن .. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لها فيما رواه ابن ماجة والدارمي:"إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء". قيل: ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال:"الذين يصلحون إذا فسد الناس"..

هذه كلمات .. إلى القابضات على الجمر .. لأذكرهن بأخبار من تقدمهن إلى طريق الجنة .. ممن تركن لذة الحياة .. وحملن همَّ الدين .. حتى ضاعف الله لهن الحسنات .. وكفر السيئات .. ورفع الدرجات .. حتى سبقن كثيراً من الرجال ..

أول تلك القابضات على الجمر ..

هي تلك المرأة الصالحة التي كانت تعيش هي وزوجها .. في ظل ملك فرعون .. زوجها مقرب من فرعون .. وهي خادمة ومربية لبنات فرعون ..

فمن الله عليهما بالإيمان .. فلم يلبث زوجها أن علم فرعون بإيمانه فقتله ..فلم تزل

الزوجة تعمل في بيت فرعون تمشط بنات فرعون .. وتنفق على أولادها الخمسة .. تطعمهم كما تطعم الطير أفراخها ..

فبينما هي تمشط ابنة فرعون يوماً .. إذ وقع المشط من يدها ..

فقالت: بسم الله .. فقالت ابنة فرعون: الله .. أبي ؟

فصاحت الماشطة بابنة فرعون: كلا .. بل الله .. ربي .. وربُّك .. وربُّ أبيك ..

فتعجبت البنت أن يُعبد غير أبيها ..

ثم أخبرت أباها بذلك .. فعجب أن يوجد في قصره من يعبد غيره ..

فدعا بها .. وقال لها: من ربك ؟ قالت: ربي وربك الله ..

فأمرها بالرجوع عن دينها .. وحبسها .. وضربها .. فلم ترجع عن دينها .. فأمر فرعون

بقدر من نحاس فملئت بالزيت .. ثم أحمي .. حتى غلا ..

وأوقفها أمام القدر .. فلما رأت العذاب .. أيقنت أنما هي نفس واحدة تخرج وتلقى الله

تعالى .. فعلم فرعون أن أحب الناس أولادها الخمسة .. الأيتام الذين تكدح لهم ..

وتطعمهم .. فأراد أن يزيد في عذابها فأحضر الأطفال الخمسة .. تدور أعينهم .. ولا

يدرون إلى أين يساقون ..

فلما رأوا أمهم تعلقوا بها يبكون .. فانكبت عليهم تقبلهم وتشمهم وتبكي .. وأخذت

أصغرهم وضمته إلى صدرها .. وألقمته ثديها ..

فلما رأى فرعون هذا المنظر ..أمر بأكبرهم .. فجره الجنود ودفعوه إلى الزيت المغلي

.. والغلام يصيح بأمه ويستغيث .. ويسترحم الجنود .. ويتوسل إلى فرعون .. ويحاول

الفكاك والهرب ..

وينادي إخوته الصغار .. ويضرب الجنود بيديه الصغيرتين .. وهم يصفعونه ويدفعونه ..

وأمه تنظر إليه .. وتودّعه ..

فما هي إلا لحظات .. حتى ألقي الصغير في الزيت .. والأم تبكي وتنظر .. وإخوته

يغطون أعينهم بأيديهم الصغيرة .. حتى إذا ذاب لحمه من على جسمه النحيل .. وطفحت

عظامه بيضاء فوق الزيت .. نظر إليها فرعون وأمرها بالكفر بالله .. فأبت عليه ذلك ..

فغضب فرعون .. وأمر بولدها الثاني .. فسحب من عند أمه وهو يبكي ويستغيث .. فما هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت