عائض القرني
ملخص الخطبة ... ...
1-الله لا يتخلى عن عباده المحسنين 2- مراتب الجود: أ- الجود بالنفس ب- الجود بالعلم ج- الجود بالمال د- الجود بالجاه والسلطان هـ- الجود بالوقت والراحة 3- أمثلة لجود الصحابة بأنواع الجود المختلفة ... ...
الخطبة الأولى ... ...
عباد الله:
يقول الله تبارك وتعالى: أفمَن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوانٍ خيرٌ أمَّن أسس بنيانه على شفا جُرُف هارٍ فانهار به في نار جهنّم والله لا يهدي القوم الظالمين [التوبة:109] .
أفمن أسس حياته ومستقبله، على تقوى الله تعالى ورضوانه، على خوف من الله, وخشية لله, خيرٌ أمَّن أسس حياته ومستقبله على معصية وتمرُّد، وتَعَدٍّ وانتهاك لحدود الله وحُرُماته.
ومن سُنّة الله تبارك وتعالى أن ينصر أوليائه، وأن يحفظ أحبابه، وأن يؤيد عباده. إنّ الله يدافع عن الذين آمنوا إنّ الله لا يحب كلّ خوّانٍ كفور [الحج:38] .
ومن سُننه كذلك أن يخذل أعداءه، وأن ينتقم ممن عاداه وحادَّه.
ولذلك لمّا رجع رسول الله، عليه الصلاة والسلام، من غار حراء خائفاً وجلاً بعد أن جاءه جبريل، وظنّ أنه سيموت أو سيهلك أو سيُخزى، لأنه رأى صورة ما رآها من قبل، فقالت له خديجة، رضي الله عنها، وأرضاها: كلا والله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لَتَصِلُ الرحِم، وتحمِل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق" [1] . فاستدلّت - رضي الله عنها - بحُسن أفعاله، وبجميل سيرته على أنّ الله لا يُخزيه أبداً."
هل رأيتم متصدقاً أخزاه الله ؟. هل رأيتم صادقاً أسلَمه الله ؟ هل رأيتم مُحسناً ضيّعه الله ؟
إنما يُخزي الله أعداءه ومَن نادّه.. أهل المعاصي والهوى.. أهل الفواحش والسيئات، هم الذين يُخزيهم الله تعالى ويقطع عنهم حبلَه ومدَده.
أما أهل الجود والصدقة والمعروف، فإنّ الله - عز وجل - معهم مثل الذين يُنفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبة والله يُضاعف لمن يشاء والله واسع عليم [البقرة:261] .
ويقول الشاعر عن البذل والجود:
ولم أرَ كالمعروف أما مذاقه فحلوٌ وأما وجهه فجميل
وقد بيّن ابن القيّم رحمه الله في كتاب مدارج السالكين، مراتب الجود ودرجاته.
فأعظم درجات الجود ومراتبه: الجود بالنفس، ليس هناك أكرم ممن يجود بنفسه في سبيل الله - عز وجل -.
فيا مَن يبخل بدرهمه وديناره.. أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، جادوا بنفوسهم وأرواحهم في سبيل الله.
يجود بالنفس إن ضَنَّ البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود
جاء الصحابة في بدر، لا يملكون من الدنيا شيئاً، لا مال، ولا عقار، ولا سلاح، وإنما كانوا يملكون نفوساً أبيّة، وأفئدة طاهرة، باعوها لله الواحد الأحد، إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة [التوبة:111] .
رفعوا سيوفهم ظاهرين مقبلين، وقالوا: يا رب، لا نملك من الدنيا قليلاً ولا كثيراً، إنما نملك نفوساً قد وَهَبناهَا لك، فتقبّلها منّا، وجئنا ببضاعة مُزجاة فتصدق علينا.
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعزّ شيء فاشترى
أَمّن رمى نار المجوس فأُطفئَت وأبان وجه الصبح أبْلج نيِّرا
ومن الذي دَكُّوا بعزم أكفِّهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا
خالد بن الوليد، باع نفسه لله، جعفر الطيّار، عبد الله بن رواحة، صلاح الدين، محمود بن سُبُكتكين، وأبناء محمود من المجاهدين الأفغان قدموا أنفسهم رخيصة في سبيل الله - عز وجل -.
أرواحنا يا رب فوق أكُفِّنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمُها ونهدم فوقها الكُفّارا
لو كان غير المسلمين لحَازَها كنزاً وصاغ الحُلْي والدينارا
أيها المسلمون:
ومن مراتب الجود أيضاً: الجود بالعلم، وهو من أشرف المراتب، وبذلُه للناس من أعظم القُرَب إلى الله تعالى، وهو أشرف من الجود بالمال، كما ذكر ابن القيم رحمه الله، فيا دعاة الإسلام، ويا طلبة العلم، ويا حمَلَة الشهادات العالية، الأمة ماتت جهلاً، وشركاً وتخلُّفاً, وضياعاً، فمن يُنقذها بعد الله إلا أنتم؟ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أُوتوا الكتاب لتُبيِّنُنه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون [آل عمران:187] .
اشتروا به مناصب ,ووظائف، وتكدّسوا في بيوتهم، والأمة غارقة في الجهل، وفي الشرك، وفي الخرافة، فبئس ما يشترون.
ووالله لساعة واحدة يقضيها المسلم في طلب العلم خير له من الدنيا وما فيها.
هو العَذْب المهنّد ليس ينبو تُصيبُ به مَضاربَ من أردتَ
وكنزٌ لا تخاف عليه لصاً خفيف الحِمْل يوجد حيث كنتَ
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفّاً شددتَ
ومن وصايا عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - لِكُمَيل بن زياد، يا كُميل: العلم خير من المال.. العلم يحفظك وأنت تحفظ المال، العلم يزكو بالإنفاق، والمال تُنقصه النفقة.