فهرس الكتاب

الصفحة 7197 من 9994

#نداء التوحيد والذكر من الحجيج

إعداد/ د. جمال المراكبي ـ الرئيس العام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فلا يزال حديثنا موصولاً مع ذكر الله عز وجل.

وحيث إننا في أيام مباركات، وومناسك فيها نفحاتٌ وبركاتٌ وكراماتٌ، فكان الواجب أن نربط حديث الذكر بهذه الأيام والمناسك والبركات.

الذكر في الصلاة والحج

لا شك عند كل ذي علم وبصيرة أن العبادات ما شُرِعتْ إلا لإقامة ذكر الله عز وجل.

قال الله تعالى لنبيه وكليمه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري [طه: 14] .

والمعنى: أقم الصلاة لتذكرني بها، وقيل: وأقم الصلاة عند ذكرك لي.

[تفسير البغوي وابن كثير عن مجاهد ومقاتل]

والصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو ذكر الله عز وجل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» .

[مسلم كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة] (ح836)

وقال صلى الله عليه وسلم عن المساجد التي هي مواضع الصلاة: «إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن» .

[مسلم كتاب الطهارة ح429]

وفي الصحيحين: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله عز وجل يقول: وأقم الصلاة لذكري.

وهذا وجه آخر لتفسير الآية ذكره ابن كثير وغيره.

والصلاة من أولها إلى آخرها ذكر ودعاءٌ وثناءٌ ومناجاة بين العبد وربه، فمفتاحها التكبير، وتحليلها التسليم، وبين ذلك دعاء الاستفتاح وقراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن وأذكار الركوع والسجود والاعتدال والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتعوذ دبر الصلاة والدعاء، وبعدها أذكار الختام، والدعاء إليها ذكر وإجابة المؤذن الداعي إليها ذكر، وفيها من معاني الاستجابة لله والتلبية لدعائه ما لا يفطن إليه إلا كل ذاكر حاضر القلب ليس بغافل ولا ساهٍ لذا يقول المصلي في استفتاحها: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمتُ نفسي واعترفتُ بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، استغفرك وأتوب إليك» . وإذا ركع المصلي (معظمًا ربه مسبحًا منزهًا إياه) يقول: «اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي» .

وإذا رفع قال: «اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد» .

وإذا سجد قال: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين» . ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررتُ وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت» .

[رواه مسلم كتاب صلاة المسافرين، ح رقم 1290]

فما أعظم هذا الذكر، وما أجمل هذه المناجاة من قلب يعي ما يقول، ويعرف عظمة من يناجي، فيخشع ظاهرًا وباطنًا ويخضع راضيًا مطمئنًا، ويمتزج هذا الخشوع بدمه وعظمه وعصبه ومخه، ويظهر على سمعه وبصره، فيكون الله سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، يوالي الله ويوالي في الله، ويعادي من عاداه، يحب الله ويجد قرة عينه في الصلاة، ويحب لله وفي الله، فهذا هو ولي الله الذي يدفع الله عنه ويغضب لغضبه ويؤذن من عاداه بالمحاربة، ويستجيب دعاءه وإذا أقسم على ربه وخالقه ومولاه أبر الله قسمه، وإن لم يكن من وجهاء الناس: «رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره» .

وكذلك الحاج يأتي ربه ذاكرًا ملبيًا مستجيبًا، قد تجرد من دنياه، وترك بلده وأرضه وأهله وثياب زينته، وأقبل على الله أشعث أغبر مُحْرِمًا، يلبي ويكبر، ويدعو ويستغفر، ويقف عند المشاعر وقد تملكته مشاعر الحب والرغبة والرهبة والخوف والرجاء، ولا يفتر قلبه ولا لسانه عن ذكر ربه وخالقه ومولاه.

وقد أمر الله عز وجل الحاج بذكره، وكرر الأمر في مواضع من كتابه العزيز، حتى لا تكاد تجد آية في كتاب الله عز وجل تخاطب الحاج إلا وتجد فيها الأمر بذكر الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت