وحتى ولو كان"الدكتور الكبير!"لا يحفظ الأربعين النووية, فضلا عن الصحيحين أو احدهما, أو يستظهر متناً في العقيدة أو الفقه, أو جرد بعض المطولات ولو مرة أو نصف مرة أو ربع مرة في حياته !
إن خطر بعض هؤلاء الدكاترة والشيوخ الذين ساقهم الله إلينا بقدره وقضائه ابتلاء وتمحيصاً, لهو أشد على الأمة من كيد علماني محترق أو منافق دجال !!
ذلك أن ألف مقالة أو ألف تصريح أو حتى مليون محاضرة لفاجر زنديق يدعو إلى خروج المرأة للعمل واختلاطها بالرجال, أو ممارسة الرياضة أو قيادتها للسيارة لن يتلقاه عامة الناس وخاصتهم إلا بالامتعاض والاستهجان, ولن يقتنع بجدوى الفكرة إلا مريض القلب خبيث الطوية !.
لكن حين يطل « متمشيخ » أو « حامل دكتوراه » بعباءته الذهبية وعمامته البيضاء فيأخذ بالتحليل والتحريم ، والتجويز والمنع ويخوض في قضايا لو عرضت على ابن الخطاب -رضي الله عنه- لجمع لها أهل بدر فإن ذلك قاصمة الظهر وداهية العصر !
في احد اللقاءات الإعلامية التي ابتليت بها أمتنا اليوم, أطل احدهم بكل صفاقة وجه, وبكل جرأة واستخفاف بعقول الناس, ليعلن على الملأ بأنه لا يرى بأسا أن تمارس الفتيات الرياضة, وأن إحضار « طاولة تنس » أو توفير « بعض الحديد » لمزاولة هواية حمل الأثقال أمر سهل ولا يحتاج إلى ضجيج أو يستدعي خوفاً وتوجساً !
لقد نسي هذا المتعالم المسكين أو تناسى, أن الأمر لن يقف عند طاولة أو طاولتين أو كيلو أو كيلوين من الحديد, بل سيمتد إلى آفاق لا يمكن السيطرة عليها لوكانوا هذا وأمثاله يفقهون!!
ونحن نتصور بواقعية لا بمبالغة أن الأمر لو أذن به - لا سمح الله- فستتناسل هذه الطاولات وتبلغ المئات من طاولات التنس, وأطنان الحديد وعشرات الألوف من كرة القدم والطائرة والسلة , ومثلها من الدراجات الهوائية والنارية ومئات الملاعب والمسطحات الخضراء !!
ونتصور الأمر كذلك خلعاً لثياب الحشمة والحياء , واستبدالها بالبناطيل والشورتات !
ونتصوره مسابقات ومباريات ودوري وكأس ودرع وميداليات ذهبية وفضية ونحاسية وخشبية !
ونتصور الأمر أيضا مسابقات دولية ومنافسات قارية وبطولات عربية وخليجية !
ولو كان الأمر يتوقف كما يتصور ذلك المتمشيخ الساذج مجرد طاولة للتنس أو بضعة كيلوات من الحديد تمارسه بعض الفتيات في مدارسهن, لما أجلب العلمانيون والاباحيون بخيلهم ورجلهم, واندفعوا بكل قوة يدعون ويطالبون بإصرار عجيب بإدخال الرياضة في مدارس البنات !!
فهم يدركون جيداً أن « طاولة التنس » طاولة ولود ستنجب لهم ما سلف ذكره من آلاف الطاولات غير الشرعية, لتلعب دورها الأكيد في سلخ القيم, وذبح الفضائل, ووأد ما تبقى لدى فتياتنا من حياء !!
فهل آن الأوان لأمثال هؤلاء المتعالمين أن يفيقوا من رقدتهم ويدركوا أنهم يلعبون بالنار التي متى التهبت فلن تبقي ولن تذر؟
أما آن لهؤلاء أن يكفوا شرهم وعبثهم وتعريضهم أمتهم إلى فساد عريض وفتنة لا يعلم مداها إلا الله جل في علاه .
اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون .
لقد كان هذا الانقلاب الذي أحدثه صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين وبواسطتهم في المجتمع الإنساني أغرب ما في تاريخ البشر ، وقد كان هذا الانقلاب غريباً في كل شيء: كان غريباً في سرعته وكان غريباً في عمقه وكان غريباً في سعته وشموله . وكان غريباً في وضوحه وقربه إلى الفهم . فلم يكن غامضاً ككثير من الحوادث الخارقة للعادة ، ولم يكن لغزاً من الألغاز . فلندرس هذا الانقلاب عملياً ، ولنتعرف مدى تأثيره في المجتمع الإنساني والتاريخ البشري
تأثير الإيمان الصحيح في الأخلاق والميول:
كان الناس - عرباً وعجماً - يعيشون حياة جاهلية ، يسجلون فيها لكل ما خلق لأجلهم ويخضع لإرادتهم وتصرفهم ، لا يثيب الطائع بجائزة ولا يعذب العاصي بعقوبة ولا يأمر ولا ينهى ، فكانت الديانة سطحية طافية في حياتهم ، ليس لها سلطان على أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم ، ولا تأثير لها في أخلاقهم واجتماعهم . كانوا يؤمنون بالله كصانع أتم عمله واعتزل وتنازل عن مملكته لا ناس خلع عليهم خلعة الربوبية . فأخذوا بأيديهم أزمّة الأمر وتولوا إدارة المملكة وتدبير شئونها وتوزيع أرزاقها ، إلى غير ذلك من مصالح الحكومة المنظمة ، فكان إيمانهم بالله لا يزيد على معرفة تاريخية ، وكان إيمانهم بالله وإحالتهم خلق السموات والأرض إلى الله لا يختلف عن جواب تلميذ من تلاميذ فن التاريخ يقال له: من بنى هذا القصر العتيق ؟ فيسمى ملكاً من الملوك الأقدمين من غير أن يخافه يخضع له ، فكان دينهم عارياً عن الخشوع لله ودعائه ، وما كانوا يعرفون عن الله ما يحببه إليهم ، فكانت معرفتهم مهمة غامضة ، قاصرة مجملة ، لا تبعث في نفوسهم هيبة ولا محبة .
وهذه الفلسفة اليونانية قد عرفت بواجب الوجود في سلوب ، ليست فيها صفة مثبتة من صفات القدرة والربوبية والإعطاء المنع والرحمة ، ولم تثبت له إلا الخلق الأول ، ونفت عنه الاختيار والعلم والإرادة ، ونفت الصفات وقرَّرت كليات كلها حط من قدر الخالق وقياس على الخلق ، والسلوب إذا اجتمعت لم تفد فائدة إيجاب واحد ، ولم نعلم مدينة واحدة ولا مجتمعاً ولا نظاماً ولا عملاً ولا بناية قامت على مجرد أسلوب ، فتجردت الديانة في أوساط الفلسفة الإغريقية عن روح الخشوع والاستكانة لله والالتجاء إليه في الحوادث ومحبته بكل القلب . وهكذا فقدت الديانة السائدة على العالم روحها وأصبحت طقوساً وتقاليد وأشباحاً للإيمان .
انتقل العرب والذين أسلموا من هذه المعرفة العليلة الغامضة الميتة إلى معرفة عميقة واضحة روحية ذات سلطان على الروح والنفس والقلب والجوارح ، ذات تأثير في الأخلاق والاجتماع ، ذات سيطرة على الحياة وما يتصل بها ، آمنوا بالله الذي له الأسماء الحسنى والمثل الأعلى ، آمنوا برب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ، الخالق البارئ المصور ، العزيز الحكيم ، الغفور الودود ، الرؤوف الرحيم ، له الخلق والأمر ، بيده ملكوت كل شيء ، يجير ولا يجار عليه ، إلى آخر ما جاء في القرآن من وصفه ، يثيب بالجنة ويعذب بالنار ، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، يعلم الخبء في السماوات والأرض ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، إلى آخر ما جاء في القرآن من قدرته وتصرفه وعلمه ، فانقلبت نفسيتهم بهذا الإيمان الواسع العميق الواضح انقلاباً عجيباً ، فإذا آمن أحد بالله وشهد أن لا إله إلا الله انقلبت حياته ظهراً لبطن ، تغلغل الإيمان في أحشائه وتسرب إلى جميع عروقه ومشاعره ، وجرى منه مجرى الروح والدم واقتلع جراثيم الجاهلية وجذورها ، وغمر العقل والقلب بفيضانه وجعل منه رجلاً غير الرجل ، وظهر منه روائع الإيمان واليقين والصبر والشجاعة ومن خوارق الأفعال والأخلاق ما حير العقل والفلسفة وتاريخ الأخلاق ، ولا يزال موضع حيرة ودهشة منه إلى الأبد ، وعجز العلم عن تعليله بشيء غير الإيمان الكامل العميق .
وخز الضمير: